حين أُعلن عن المفاوضات الفلسطينيّة – الإسرائيليّة، ثمّ حين بدأت المفاوضات، كانت القناعة السائدة أنّها لن تنتج شيئاً. ما غيّر هذا الانطباع هو ردّ الفعل الإيرانيّ العاصف، وردّ فعل أتباع طهران وفي عداده عمليّة «حماس» في الخليل. ذاك أنّ مفاوضات محكومة سلفاً بالإخفاق لا تستحقّ الحملة التي شُنّت وتُشنّ عليها. فقد وُضع «يوم القدس» الإيرانيّ وجهاً لوجه أمام التفاوض المباشر، على عكس «اليوم» نفسه قبل عام، حين كانت المهمّة المباشرة تكبيل المعارضة الإيرانيّة وسحقها.
هذا العام اكتُفي بترهيب مهدي كرّوبي لردعه عن النزول إلى الشارع، ووُجّهت البنادق كلّها في اتّجاه رام الله والرئيس محمود عبّاس. والموقف هذا، الذي يؤجّجه حصار إيران ويزيده احتداماً، بالغ الوفاء للموقف الخمينيّ الأصليّ من الموضوع الفلسطينيّ. فمنذ 1963، وبمراجعة الأدبيّات الخمينيّة التي رافقت انتفاضة ذاك العام، يتبيّن أنّ تأييد الفلسطينيّين لم يأت بذاته، ولم يكن لذاته، بل جاء امتداداً للموقف الأصليّ الذي هو العداء للولايات المتّحدة و»اليهود» (ولحريّات المرأة وللإصلاح الزراعيّ).
وعملاً بهذا المبدأ السلبيّ، خطت إيران الجمهوريّة خطوتها الأولى حين أحلّت مفوضيّة فلسطين محلّ السفارة الإسرائيليّة في طهران وأعلنت عن إنشاء «يوم القدس». ذاك أنّ الهمّ العربيّ الفعليّ للنظام الجديد كان عراقيّاً ومصريّاً، ولم يكن فلسطينيّاً البتّة. فالعراق ومصر كانا يومذاك مركزي الثقل العربيّ، وكان يراد تحجيم دورهما. وقد وجد الخميني في صدّام حسين أفضل الخصوم، فابتدأ الأخير، بصلافته وغبائه المعهودين، حرب الثمانينات التي تمسّك بها الثاني وعمل على إدامتها، مدركاً أنّ التفاوت بين البلدين لن يكون لمصلحة العراق. وعلى رغم إعلان الخميني «تجرّع كأس السمّ» ووقف القتال، تكفّلت تلك الحرب تمتين لحمة نظامه وتشديد قبضته فيما تولّت تدشين الانهيار العراقيّ الذي راح يتتابع فصولاً.
أمّا مصر التي استقبل رئيسها الراحل أنور السادات شاه إيران، فتلاحقت الإشارات على ما تكنّه لها إيران الخمينيّة من عواطف، لا سيّما مع اعتبار خالد الإسلامبولي، قاتل السادات، «شهيداً» وتسمية شارع باسمه وإصدار طابع بريديّ يحمل رسمه.
وهذه الخلفيّة هي التي تفسّر سبب وقوف عرفات، الذي وصل إلى طهران بعد أسابيع على وصول الخميني كي يهنّئ بثورتها، إلى جانب بغداد في حرب الخليج. فمن موقعه هو، وبالطريقة التي كان يفهم الأمور بموجبها، أحسّ الزعيم الفلسطينيّ بأنّ قدرة طهران على استخدام القضيّة الفلسطينيّة أكبر من قدرة بغداد، حتّى لو امتلكت العاصمتان الميل والحافز نفسيهما.
والحال أنّ القضيّة المذكورة لم تعرف الضمور الذي تعرّضت له لاحقاً إلاّ بسبب صعود الأجندة الدينيّة في المنطقة، وهو ما تضافرت لتنفيذه، من موقعين مختلفين، ثورة إيران «الإسلاميّة» وحركة «المجاهدين» الأفغان «الإسلاميّة» أيضاً، وقد قضت الظروف أن تولدا في وقت واحد هو العام 1979. مذّاك شعرت البيئة الأذكى والأعقل في الوسط الفلسطينيّ أنّ من رفض الذوبان في المشاريع الناصريّة والبعثيّة والقوميّة العربيّة على عمومها، محكوم بأن يقاوم مشاريع التذويب باسم إسلام جامع عابر للأوطان (ما عدا الوطن الإيرانيّ طبعاً!).
هكذا يغدو مفهوماً أن تتعامل طهران مع التفاوض المباشر، المدعوم عربيّاً، بوصفه «هزيمة للأمّة»، وأن ترى في نجاحه «كارثة الكوارث». ذاك أنّ «يوم القدس» هو ضدّ القدس، قبل أن يكون ضدّاً لأيّ شيء آخر.
"الشرق الاوسط"




















