يحاول الرئيس الفلسطيني محمود عباس ان يجد مخرجا للمفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية التي افتتحت اخيرا في واشنطن.
فبعد ان كرر الموقف المبدئي بأن لا مفاوضات في ظل التوسع في الاستيطان، اقترح في مقابلة صحافية جدولا للاعمال يعطي المفاوضات املا، على الاقل في تغطية المدى الزمني المرسوم لها، اي سنة.
وفقا لعباس المفاوضات ستبدأ، او ينبغي ان تبدأ، حول حدود الدولة الفلسطينية، ثم تنتقل الى موضوع الأمن، اي امن اسرائيل. وان هذين البندين يحلان تلقائيا قضايا القدس والمياه فيما يمكن اعتبار مصير اللاجئين الفلسطينيين مرحلة ثانية من المفاوضات.
عمليا القرارات "المؤلمة"، حسب تعبير بنيامين نتنياهو، المطلوبة من اسرائيل اليوم تقتصر على استحقاق نهاية تجميد الاستيطان مع نهاية الشهر الجاري، اما المفاوضات بذاتها فانها تستطيع ان تنفلش مع فلش الخرائط الى اشهر طويلة.
ولن يكون غريبا ان تستغرق المساومات الحدودية مثل هذه الفترة، من دون ان يكون الجزم ممكنا حول ما اذا كانت المفاوضات تتقدم ام تتراجع ام تراوح، طالما ان قضايا الحدود متشعبة، وتشمل نسب تبادل الاراضي ومواقعه الخ…
والهاجس الامني لن يتأخر بالطبع عن مناقشة قضية الحدود ولو وضعه عباس في الموقع الثاني، لان الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية هي من الزاوية الاسرائيلية قضية امنية اولا، والصيغ المطروحة لضمانها متنوعة.
ومع ان القدس هي، بمفهوم الرئيس الفلسطيني، نتيجة لقضية الحدود، فان خصوصيتها الاسرائيلية – الفلسطينية لا بد ان تضعها سريعا في خانة متوسطة بين قضيتي الحدود واللاجئين، بصفتها مرحلة قائمة بذاتها من المفاوضات.
تجارب المفاوضات السابقة، مع متفاوضين اسرائيليين اشد توقا للسلام من نتنياهو، اثبتت ان تحديد المواعيد لم يكن ناجحا الا حيث كانت المقايضة الرئيسية جلية للعيان منذ بداية المفاوضات.
في كمب ديفيد المصري – الاسرائيلي، كانت المفاوضات تدور وصفقة الحل المنفرد المصري مقابل اخلاء سيناء بأكملها مخيمة على اجواء التفاوض منذ انطلاقتها.
وفي المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية اللاحقة، والتي انتجت اتفاقات اوسلو، كان الطابع الانتقالي للاتفاق ضمانة للنجاح في تفادي المسائل الشائكة.
واذا كانت "المفاوضات" مع الاردن تابعة للاجواء السائدة في المفاوضات "الاخرى"، فان جولات التفاوض السورية – الاسرائيلية كانت تنعقد وتنفرط بسرعة قياسية بالعلاقة مع مقايضة السلام بالجولان.
وحدها المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية، كانت تزداد صعوبة وتطلبا للوقت وللتأجيل كلما اقترب التفاوض مما يسمى قضايا الوضع النهائي. لذلك، عندما بادر الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون الى وضع كل من ايهود باراك وياسر عرفات امام حد زمني ينتهي بنهاية ولايته، قيل لاحقا انها كانت الاساءة الاكبر للمفاوضات التي لم تلائمها حتى الآن الا المفاوضات والاتفاقات الانتقالية. كثيرا ما كان يتوافر زعامات من الجانبين للوصول الى معاهدة "نهائية"، حتى عندما كانت تأتي هذه الزعامة من مكان غير متوقع، مثل مناحيم بيغن، ايام كمب ديفيد، او عندما كانت تصل المفاوضات الى حافة التسوية، كما في حالة اسحق رابين وحافظ الاسد.
لكن هذا كان ينطبق على المسارات "العربية". أما المسار الفلسطيني فلم يحظَ ابدا بالزعامات القادرة على الوصول الى خاتمة "غير سعيدة" للطرفين. فالقضية كانت دائما اكبر من المفاوضين، ايا تكن قاماتهم. ولا حاجة الى القول، إن هذه القامات تتضاءل تاريخيا، على الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني.
ومع تعدد تجارب التفاوض يكاد يستقر دور للمفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية لا علاقة له بحصيلتها النهائية. فهي دائما نشاط ثانوي للادارات الاميركية المتعاقبة، التي لا تساوي حماستها وتفاؤلها للدفع بالمفاوضات، سوى سرعة تخليها عندما تصطدم هذه بعقبات، "تاريخية".
وهي دائما واسطة اعادة تركيب لأوضاع عربية متغيرة من ناحية ترتيب زعاماتها الاقليمية.
وهي حديثا واسطة صراع فلسطيني – فلسطيني داخلي، عينه على السلطات القائمة اكثر مما هي عينه على الآتي من سلطات.
"النهار"




















