إذا كان الوقت قد اتى لإقفال ملف الاتهام الذي وجهته جهات لبنانية وإقليمية الى سورية بالوقوف وراء اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فإن الوحيد الذي كان قادراً على اقفال هذا الملف، بل الذي كان مؤهلاً لذلك، هو «ولي الدم» سعد الحريري. وهذا بالضبط ما فعله رئيس الحكومة اللبنانية في حديثه الصحافي الاخير. قال الحريري كلاماً يسقط بعده كل اتهام، سواء جاء على لسان جهات في تيار «المستقبل» او من فريق 14 آذار، او حتى من الجهات القضائية المتمثلة بالادعاء العام في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. اذ كيف يمكن، بعد قول الحريري الابن ان اتهام سورية كان «اتهاماً سياسياً» ان يوجّه اي اتهام من اي نوع، حتى لو كان اتهاماً قضائياً؟
لا يقفل حديث الحريري صفحة الاتهام الموجه الى سورية فقط، بل هو يمثل ايضاً انقلاباً مهماً على الأسس التي سار عليها تحرك فريق 14 آذار على مدى السنوات الخمس الماضية. صحيح ان هذه الأسس قامت على المطالبة باستعادة السيادة والاستقلال الوطني، لكن كان واضحاً من هي الجهة المقصودة باستلاب السيادة والاستقلال. وبهذا المعنى ايضاً يشمل اعتراف الحريري بخطأ توجيه الاتهام لدمشق اعترافاً آخر، لا يقل اهمية، بحرص الجارة السورية على السيادة والاستقلال اللبنانيين. ويأخذ في الطريق جانباً لا بأس به من حجج 14 آذار ومن صدقية خطابها السياسي المتعلق بهذه الناحية.
لكن، وبقدر ما يشكل طي صفحة «الاتهام السياسي» لسورية شرطاً يبدو انه كان مطلوباً لإرساء العلاقة القائمة بين الرئيسين بشار الاسد وسعد الحريري على أسس اكثر متانة، فإن طي هذه الصفحة لا يقفل الباب في وجه الاتهام الآخر المستمر والذي يجري تداوله على نطاق اعلامي واسع، وهو الاتهام الذي يطاول «حزب الله»، والذي بسببه جنّد الحزب كل امكاناته السياسية والاعلامية للطعن في صدقية المحكمة الدولية وللقضاء على القرار الظني المنتظر قبل ان يبصر النور. اذ في هذه النقطة بالذات يرى الحريري ان «للمحكمة مسارها الذي لا علاقة له باتهامات سياسية كانت متسرعة… فالمحكمة لا تنظر الا في الدليل. وهناك اجراءات قانونية معروفة من ادعاء ودفاع وغيرها».
وكما هو واضح من هذا الكلام، فموقف رئيس الحكومة من عمل المحكمة ومن الطبيعة القانونية للقرارات التي ستصدر عنها مختلف بالكامل عمّا يراه «حزب الله». وبقدر ما يرتاح الحزب وحلفاؤه اللبنانيون الى «المراجعة» التي اجراها الحريري للاتهام الذي كان موجهاً الى سورية، فإنهم لا بد يتحفظون عن نظرته الايجابية الى المحكمة الدولية التي يرى انها «لا تنظر الا في الدليل»، ما يفهم منه تسليم مسبق بالاتهامات التي ستوجهها والاحكام التي ستصدر عنها. ويزيد من هذا التحفظ ان حديث الحريري يلتقي مع التصريح الذي ادلى به قبل ايام مدعي عام المحكمة الدولية القاضي دانيال بلمار الى وسيلة اعلامية محسوبة على رئيس الحكومة، ورد فيه على اتهام «حزب الله» المحكمة بالتسييس، مؤكداً ان «القرار الذي سنصدره لن يكون قراراً سياسياً».
وهكذا فبقدر ما تفتح «مراجعة» الحريري لاتهاماته السابقة باباً جديداً الى علاقة متينة مع دمشق، فانها تبقي الحذر مسيطراً على العلاقات بين اطراف الداخل، على خلفية الانقسامات ذات الطابع المذهبي، خصوصاً ان الرد الحكومي على الاتهامات المتعلقة باغتيال الحريري، والتي باتت متداولة اليوم، يقتصر على احالتها الى المحكمة الدولية، اي الى الجهة التي يعتبر المتّهمون انها «مشروع اسرائيلي» ويطعنون بحيادها وبصدقيتها.
"الحياة"




















