بعد أن يصحو قسم من العرب من سكرة فوز باراك أوباما ونشوتها، سيكون عليه أن يواجه – بطريقة أخرى – أسئلة المرحلة المقبلة وأن يلحظ ضمنها اتجاهات السياسة الاميركية في عهد أوباما الرئيس بعد أن صار على رأس المؤسسة ولم يعد مرشحاً. عند هذا المنعطف من النظر الى الموضوع، سيكون في حكم البداهة أن ينسى العرب ما شغلهم قبل شهر: لون بشرة المرشح أوباما، وأصله الافريقي، ونسبه الاسلامي، وكل ما أغرى الناس بالتعاطف معه وعقد الأمل عليه (أحياناً الى درجة يختلط فيها الأمل بالوهم)، وأن ينشغلوا بشيء واحد وحيد هو: موقع الرئاسة الاميركية في لحظة ما بعد حقبة المحافظين الجدد وما عساها تكون سياساته العربية و"الشرق الأوسطية" بعد الحصاد المرّ الذي جنته اميركا من سياسات المحافظين. وهو انشغال ينبغي أن يلحظ حقيقة غير قابلة للتجاهل هي أن أوباما سليل المؤسسة الاميركية والطبقة السياسية الاميركية، وأنه أتى الى السلطة في واشنطن كمرشح لواحد من أعرق أحزاب اميركا صهيونية (وهو "الحزب الديموقراطي") ولم يأتها مرشحاً باسم "حزب الله" او "حماس" او "الحزب العربي الديموقراطي الناصري" او "الاتحاد الاشتراكي" المغربي…
ليس هذا كلاماً في باب التحبيط والتثبيط للهمم والعزائم، وإنما هو الى التنبيه والتحذير أقرب: التنبيه على وجوب إعادة تمثّل شخصية باراك أوباما بعيداً عن فرضيات العِرق واللون والدين، أي بما هو رئيس النظام السياسي الاميركي ورأسه. والتحذير من خطل الاعتقاد بأن الرجل يملك أن يغيّر ويبدّل في نظام سياسي راسخ وثابت يبدّل رؤساءه كما تبدّل الآلة المشتغلة قطع غيارها. إن هامش حريته ضئيل جداً في هذه الآلة السياسية الاميركية وبرنامج اشتغالها. وهو – في الاحوال كافة – ليس هامش فرد، بل هامش حزب وفريق عمل سياسي من آلاف الافراد يكوّنون طاقم النظام في الولايات المتحدة. نقول هذا على فرض مزعوم بأن الرجل يملك ارادة تغيير سياسات بلاده تجاه عالمنا العربي على نحو أكثر عدلاً وإنصافاً لشعوبه وقضاياها العادلة. وهو فرض مزعوم لأنه يصطدم بحقيقة أن أوباما لا يملك الاّ أن يلتزم الثوابت الاستراتيجية للسياسة الاميركية. وعند هذه الثوابت يبدأ حبل التعارض بين المصالح العليا لبلاده ومصالح العرب.
ليتذكر المراهنون على العصا السحرية لأوباما، من دون حساب، أن السياسة الاميركية تستقر – منذ عقود – على جملة ثوابت حيال منطقتنا وقضاياها لا تقبل زحزحة او تغييراً في أمد منظور، ولا يختلف رؤساء اميركا المتعاقبون على عرشها سوى في الاجتهاد في كيفيات تطبيقها على النحو الأمثل من منظار السياسات العليا. أول تلك الثوابت حماية الأمن الاسرائيلي وضمان التفوق الاستراتيجي للدولة العبرية على الدول العربية مجتمعة. وثانيها التحكم في مصادر الطاقة في المنطقة العربية وضمان تدفقها وعدم استغلالها سياسياً ضد المصالح الاميركية والاسرائيلية. وثالثها الحفاظ على شكل ما من الاستقرار السياسي الذي يضمن الهدفين الاستراتيجيين الاولين. ولم تكن الحرب على الارهاب والتطرف الديني من أهداف السياسة الاميركية الاّ بعد أن اصطدمت بها قواه في نهاية القرن الماضي وبداية هذا القرن، والاّ فهي دعمته في معركته ضد السوفيات في أفغانستان، وأشاحت عنه طويلاً حين كان يضرب في مصر والجزائر. وحين تضع مواجهته ضمن أولوياتها اليوم، فلأنه بات يهدّد مصالحها وأمن جيوشها المنتشرة في المنطقة.
لن يخرج عهد أوباما عن نطاق هذه الثوابت. سيظل حريصاً – حرص سابقيه – على أمن اسرائيل وتفوقها. وسيستمر في سياسة التحكم بمصادر الطاقة حتى مع ادعائه الرغبة في التخفّف من عبء الاعتماد على نفط الخليج. وسيظل يدعم الاستقرار السياسي من دون الالتفاف كثيراً الى دعوات التغيير الديموقراطي. وسيستأنف الحرب على "الارهاب". ما الذي سيتغيّر إذن؟
لا شيء آخر غير الاسلوب. سيقول قائل: وماذا عن اعتزامه الانسحاب من العراق وقد كان شعاراً رئيساً من شعارات حملته ومن برنامجه الانتخابي: اليس قرينة على تغيير في وجهة السياسة؟ نقول: ما كان احتلال العراق أصلاً من ثوابت السياسة الاميركية ولا كان من سياسات كلينتون او جورج بوش الأب، وإنما من حماقات المحافظين الجدد التي جرّت نتائجها الويلات على اميركا. وحين سيسحب أوباما جيش بلاده من العراق، فلتصحيح خطأ في السياسة من أجل حفظ مصالح تضررت من جرّاء ذلك الخطأ. ولو كان الانسحاب موقفاً اخلاقياً، لكان عاماً بحيث يشعل أفغانستان ايضاً. لكن أوباما لا يرى حرب بلاده في أفغانستان الا بما هي حرب "عادلة" تبرّر استقدام المزيد من القوات اليها.
قلنا إن التغيير سيكون في الاسلوب فحسب. لكنا نستدرك فنضيف إن "فحسب" هذه لا تنتقص من قيمة ذلك التغيير على شكليته وصورته. نعم، إن أوباما لن يتخلى قيد أنملة عن أمن اسرائيل وتفوقها ولن يضغط عليها للانسحاب من الاراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، لكنه لن يمنح صلفها ووحشيتها إجازة مفتوحة مثلما فعل سلفه بوش. وهو كسابقه لن يسمح لايران بحيازة قدرة نووية تهدّد أمن اسرائيل وأمن الطاقة، لكنه لن يخوض حرباً ضدها ستُشعل كل المنطقة. وهو لن يسمح لسوريا بمد نفوذها الى لبنان من جديد، لكنه لن يخوض ضدها معركة عزل وحصار سياسيين. وهو لن يوقف حربه على "طالبان" و"القاعدة" في أفغانستان وباكستان، لكنه لن يمانع في أن تجري حكومتا كابول وإسلام أباد حواراً مع "طالبان" من أجل إنهاء القتال. وهو لن يفتح حواراً مع "حزب الله" او "حماس"، لكنه لن يوعز للدولة العبرية بخوض حرب ضدهما في جنوب لبنان وغزة كما فعل سلفه. وبكلمة، سيحافظ على السياسات ذاتها مع تعديل في الاسلوب وطريقة الاداء.
لا يمكننا أن نطلب من أوباما أكثر من هذا التغيير الشكلي الطفيف: وهو في حد ذاته شيء كثير. فأميركا ستظل – حتى إشعار آخر – هي أميركا. غير أنه خير لك ألف مرة أن يكون خصمك عاقلاً من أن يكون مجنوناً.
– الرباط
"النهار"




















