يمكن القول ان الإغتراب صار عملية نظرية بسبب التقدم الهائل في الإتصالات والمواصلات بحيث أن اللبناني بات لديه منزل في وطنه وآخر في الإغتراب تماماً كما لديه منزلٌ في العاصمة ومنزلٌ في الجبل.
إختفاء المسافات بين لبنان المقيم ولبنان المغترب يجعل مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة تجاه مواطنيها، فهي ليست مسؤولة عن المقيمين منهم فقط بل، بالمقدار ذاته، عن المغتربين أيضاً خصوصاً حين يعودون إلى لبنان أو حين يزورون لبنان فلا يشعرون بأنهم جالية في وطنهم.
ما يدعو إلى الدهشة في بعض الأحيان أنه حين يكون أي مسؤول في الخارج فإنه يخاطب المغتربين وكأنهم سيعودون غداً إلى لبنان ويطلب منهم أن يتلفتوا إلى وطنهم الأم مثلما يتلفتون إلى البلدان التي يقيمون فيها أو يعملون فيها، وأن البلدان التي يعمل فيها المغتربون تُقدّم لهم ما لم يُقدِّمه لهم وطنهم، وربما من أجل ذلك هاجروا، هذا الواقع يدفع إلى طرح السؤال التالي:
ماذا قدَّم الوطن لإبنائه المغتربين ليُفكّروا في العودة أو على الأقل ليُفكّروا في الإستثمار في لبنان؟
لعله سؤال موجع لأنه يختزن الجواب في طياته، لا شيء يقدّمه الوطن لأبنائه المغتربين، صحيحٌ انها حقيقة مرَّة لكنها ليست مفاجئة والسبب في ذلك أن الوطن يكاد لا يُقدِّم الحد الأدنى لأبنائه المقيمين فكيف يُقدِّم للمغتربين؟
إنها مسألة قدرة وقرار ونهج وخطة، كل هذه العوامل، إذا توافرت، يمكنها في هذه الحال أن تُقدِّم شيئاً لكنها وللأسف غير متوافرة، فلا القدرة موجودة ولا الخطة ولا النهج بل كلامٌ معسول وأحياناً النية ولكن هل بالنيات يمكن القيام بأي شيء؟
سيصل المغترب، عاجلاً أم آجلاً إلى الحقيقة التي توصل إليها المقيم وهي ان على المواطن أن يقلع أشواكه بيديه لأن لا دولة تُعينه على تقليع هذه الأشواك، في هذه الحال تُصبح الزيارات إلى الخارج غير ذات جدوى إذا كان القصدُ منها الإطلاع على أوضاع الجاليات اللبنانية، فما الغاية من هذا الإطلاع إذا لم تكن هناك قدرة على تحسين هذه الأوضاع؟
إن الوسيلة الفضلى لمعاينة أوضاع المغتربين ومعايشة أحوالهم تكون بإيجاد آلية تواصل بينهم وبين الإدارات المعنية والوزارات المختصة، إذا بدأ التفكير لتحقيق هذا الأمر فعندها يمكن القول إن ملف الإهتمام بالمغتربين وُضِع على السكة الصحيحة، وما لم يتحقق هذا الأمر فإننا سنكون أمام فولكلور يتكرر في كلّ مرة يُصار فيها إلى التطرق إلى شؤون المغتربين.
لا يجوز أن يعود المغتربون إلى الذاكرة الوطنية موسمياً وبمعدل شهر أو شهرين في السنة، فهُم مواطنون مكتملو الأوصاف فلماذا حرمانهم من مفاعيل المواطنية؟
الانوار




















