واشنطن – من هشام ملحم:
كيف خسر الرئيس باراك اوباما سحره؟ سؤال يطرحه المراقبون ومؤيدو اوباما الذي نجح في حملته الانتخابية في 2008، ليس فقط في تعبئة القاعدة الشعبية للحزب الديموقراطي بل في جذب أكثرية من الناخبين المستقلين وحتى شريحة من الناخبين الجمهوريين الى الموجة الكاسحة التي حملته وحزبه الى البيت الابيض والى الكونغرس بمجلسيه.
اليوم، وقبل اقل من شهر على موعد الانتخابات النصفية، يجد اوباما نفسه في موقع دفاعي وهو يقوم بحملة جديدة نيابة عن مرشحي حزبه – وبعضهم يهرب منه ويتفادى الظهور معه في نشاطات انتخابية – لاقناع الناخبين وتحديدا الديموقراطيين التقدميين والمستقلين الذين يمكن ان تتجاهل اكثريتهم مراكز الاقتراع في الثاني من تشرين الثاني المقبل، بالبقاء تحت الخيمة الديموقراطية،الامر الذي يمكن ان يسمح للجمهوريين باستعادة السيطرة على مجلس النواب، وتقليص الاكثرية الديموقراطية في مجلس الشيوخ.
المسافة بين 2008 ولا سيما الحماسة الديموقراطية الجامحة، واليوم حيث هناك عجز صاعق في درجة الحماسة في القاعدة الديموقراطية، هذه المسافة يمكن ان تقاس بالسنوات الضوئية. شعبية اوباما بعد خمسة اشهر من انتخابه كانت اكثر من 62 في المئة، وهو رقم عال بالمقاييس الاميركية. اليوم يقول 48 في المئة من الاميركيين انهم يوافقون بدرجات متفاوتة على ادائه، في مقابل 51 في المئة يعارضون اداءه. وتبين مختلف استطلاعات الرأي ان نسبة الناخبين المستقلين الذين يفضلون الجمهوريين في الانتخابات النصفية هي ذاتها النسبة التي ايدت اوباما والمرشحين الديموقراطيين في 2008. والاخطر من ذلك بالنسبة لاوباما هو ان الجناح الليبرالي والتقدمي في الحزب الديموقراطي يشعر اليوم بـ"الغربة" عن الرئيس وبعض سياساته. في اعقاب الانتصار الديموقراطي المهم في 2008 وصل الجمهوريون الى القعر، الامر الذي دفع بمجلة "تايم" الى التساؤل: هل شارف الجمهوريون الانقراض؟ في ذلك الوقت بدا الحزب الجمهوري على حقيقته: حزبا صغيرا له قاعدة منحصرة في جنوب البلاد، ومؤلف باكثريته الساحقة من الرجال البيض. اليوم، ومع بروز الجناح المتشدد اليميني في الحزب تحت لواء "حزب الشاي" المدفوع بمشاعر المعارضة الجامحة لسياسات اوباما وتحديدا خطته لاصلاح برامج العناية الصحية، التي تعزز برأيهم نفوذ الحكومة الفيديرالية في حياة المواطن، ورفضهم الشديد للرئيس نفسه –والذي يصل بالنسبة لعدد منهم الى مستوى العداء العنصري له – يجد الحزب الجمهوري اليوم ان لديه فائضا في الحماسة (الذي يترجم عادة باقبال اكبر على التصويت) في مقابل العجز الديموقراطي.
ويرى معظم المراقبين ان المزاج العام في البلاد، والذي يراوح بين الفاتر والقاتم يعود بالدرجة الاولى الى بطء محاولات احياء الاقتصاد الاميركي وانعاشه بعد معاناته من أكبر واخطر ازمة اقتصادية منذ ثلاثينات القرن الماضي، وتحديدا المعدلات العالية للبطالة وهي اقل من 10 في المئة رسميا، ولكنها عمليا اعلى من ذلك على المستوى الوطني، وتزيد عن 15 في المئة لدى بعض الشرائح الاجتماعية، مثل الشباب الذين ينتمون الى الاقليات. ويلتقي بعض المراقبين مع بعض الديموقراطيين في القول إن اوباما ربما اخطأ حين اعتقد انه يتمتع بانتداب شعبي واسع لكي يقوم في بداية ولايته باقرار عدد من الخطط والمشاريع الجذرية لان لديه رأس مال شعبي كبير. وهذا ما حاول اوباما تحقيقه في اول سنتين من ولايته قبل الانتخابات النصفية، أي وقف الانهيار الاقتصادي ومحاولة تحفيز الاقتصاد من خلال الانفاق الحكومي (الذي يزيد بطبيعة الحال من العجز المالي)، وفي الوقت عينه اقرار برامج طموحة مثل خطة اصلاح العناية الصحية، وفرض قيود أكثر على المستثمرين في اسواق المال، وتقديم الحوافز المالية للطلاب وغيرها من الحوافز الضريبية، وهي برامج فسرها الجمهوريون بانها تعزز سيطرة الحكومة على حياة المواطنين، (حزب الشاي يصفه بانه اشتراكي يحاول تقويض النظام الرأسمالي). في المقابل يرى العديد من الناخبين المستقلين ويلتقي معهم بعض الديموقراطيين انه كان على اوباما في النصف الاول من ولايته ان يركز كل طاقاته على معالجة الازمة الاقتصادية وايجاد الحلول لمشكلة البطالة.
ومما لا شك فيه ان نجاح الحزب الجمهوري في تكوين جبهة معارضة صارمة لكل خطة او اقتراح طرحه اوباما في الكونغرس، وشنهم، من خلال "حزب الشاي" حملة تشويه لسجله او مواقفه، ساهم الى حد كبير في بث مناخ من العداء (وليس معارضة فقط) لاوباما في صفوف الجمهوريين، والى تعميق شكوك المستقلين ليس فقط بسياساته بل ايضا بنياته. بعض المراقبين يقولون ان اوباما تأخر في الرد على حملات "حزب الشاي" والجمهوريين في سنته الاولى لانه اراد الترفع عن المهاترات والمواقف الحزبية الضيقة. ويضيف هؤلاء ان تأخره في ذلك سمح لخصومه بان " يحددوه" ويرسمون بالصورة النمطية التي تناسبهم. معلقون آخرون يتكهنون بأن اوباما ربما بالغ او غالى في قدرته على التواصل مع الناخبين واقناعهم بصواب وحكمة مواقفه وسياساته كما نجح خلال حملته الانتخابية.
من جهتهم، وجد الديموقراطيون التقدميون ان آمالهم وطموحاتهم بتحقيق اصلاحات جذرية أكثر، إن في خطة اصلاح العناية الصحية، او في تحفيز الاقتصاد او الغاء قوانين التمييز ضد خدمة مثليي الجنس في القوات المسلحة وغيرها، قد احبطت، وان الرئيس اوباما اعتمد سياسات "وسطية" واقل تقدمية مما أوحته حملته الانتخابية. هذه "الغربة" بين التقدميين والبيت الابيض، دفعت بالرئيس اوباما وبنائبه جوزف بايدن الى انتقاد انتقادات الليبراليين بشكل مباشر وحتى فظ. وفي خطبه الاخيرة، وكذلك في مقابلة مع مجلة " رولينغ ستون" التي يقرأها الشباب والتقدميين، خاطب اوباما التقدميين الليبراليين في حزبه قائلا "استيقظوا من سباتكم". ورأى انه "لا يوجد هناك أي عذر للديموقراطيين والتقدميين لان يقفوا على الهامش في هذه الانتخابات النصفية". واستخدم اوباما عبارات قاسية بحق هذه الشريحة في حزبه، ورأى ان امتناعها عن التصويت سيكون تصرفا "غير مسؤول"، قائلا ان عليهم ان يقوموا بواجباتهم وان يتوقفوا عن الشكوى.
من جهته خاطب بايدن هذا الجناح في الحزب الديموقراطي قائلا "توقفوا عن النقّ". الليبراليون والتقدميون رأوا ان هذه الانتقادات مهينة وغير مبررة وانه لو نجح البيت الابيض والاكثرية الديموقراطية في مجلسي الكونغرس بتنفيذ وعودهم وخلقوا الوظائف للناس لما كان هناك شكاوى أو نقّ.
بدأ اوباما ولايته وهو يتمتع بدرجة عالية من ثقة الناخبين به، ولكنه يجد نفسه اليوم بعد مواجهات شرسة مع الجمهوريين بسبب خططه لتحفيز الاقتصاد واصلاح برامج العناية الصحية وغيرها، وحرب تتوسع باستمرار في افغانستان، واقتصاد يرفض النهوض بسرعة، ان ثقة الناخبين به في الشهر الماضي هي اقل من ثقة الناخبين بالرئيس السابق بيل كلينتون والديموقراطيين عام 1994 أي عشية الهزيمة الساحقة التي مني بها الديموقراطيون على ايدي الجمهوريين في الانتخابات النصفية في تلك السنة. هل يعيد التاريخ نفسه هذه السنة؟ يبين السجل الانتخابي لاكثر من قرن ان الحزب الحاكم يتعرض للنكسات في الانتخابات النصفية (هناك 3 استثناءات تؤكد هذه القاعدة). التوقعات المبنية على استطلاعات الرأي (وعلى مشاعر القلق في اوساط الديموقراطيين والثقة، ربما المفرطة، في اوساط الجمهوريين) تقول ان هناك احتمالاً بعودة الحزب الجمهوري للسيطرة على مجلس النواب، وتقليص الاكثرية الديموقراطية في مجلس الشيوخ. وهناك مشاكل أعمق يواجهها اوباما ولا يستطيع احتواءها في أي وقت قريب، ومن ابرزها ان الحملة التي يشنها الجمهوريون منذ عقود وتحديدا منذ بروز ما سمي "ثورة ريغان" ضد الحكومة الفيديرالية واعتبارها مصدر المشاكل او القول ان " الحكومة هي المشكلة"، وان الحلول لا تأتي منها بل من المجتمع او من القطاع الخاص، هذه الحملة تجذب اليها الان ليس فقط الجمهوريين والمحافظين بل عددا متزايدا من المستقلين وحتى شريحة من الديموقراطيين. وكلما خرج اوباما بخطة او اقتراح يقضي بأن تضطلع الحكومة بدور في احياء الاقتصاد على سبيل المثال، اعتبره خصومه تجسيدا لما يعتبرونه "الخطر" الذي تمثله السلطة المركزية القوية. ( خلال عهد الرئيس دوايت ايزنهاور في خمسينات القرن الماضي، كان 73 في المئة من الاميركيين يثقون بالحكومة الفيديرالية. الآن أقلية محدودة تنظر الى الحكومة بهذه الطريقة). ايضا ميل الاميركيين الى الحلول السريعة لمشاكل او تحديات صعبة او مركبة يضع اوباما في موقع دفاعي، خصوصا انه لم يستطع ان يقنع الناخبين على سبيل المثال بأن الخروج من الازمة الاقتصادية يقتضي وقتا طويلا نسبيا، وان لا حلول سريعة او سحرية لمشاكل تتفاقم على مدى سنوات طويلة.
عشية الانتخابات النصفية، هناك عجز في الحماسة في صفوف الديموقراطيين، وفائض في الحماسة في صفوف الجمهوريين، وعجز في الصبر عند الكثير من الناخبين القلقين على مستقبلهم.
"النهار"




















