بغداد- من فاضل النشمي:
بين ليلة وضحاها، صارت الورقة المقدمة من تحالف الكتل الكردستانية في آب الماضي في شأن رؤيتها للمشاركة في الحكومة المقبلة، محط حفاوة وترحيب من كل الكتل العربية الفائزة، بشقيها الشيعي والسني بلا استثناء، وبدا من خلال تعاطي الكتل مع مطالب الاكراد المعبر عنها بـ19 بنداً تحت مسمى ورقة التفاوض الكردية، وكأنها ورقة عمل وطنية شاملة لا تعنى بمنطقة محددة من العراق هي اقليم كردستان المكون من ثلاث محافظات فقط، في الوقت الذي كانت الاعتراضات التي اعقبت إعلانها تشمل كل الاطراف تقريبا. حينذاك اعتبرت كل الكتل انها مطالب مبالغ فيها وغير قابلة للتحقق وخصوصاً الفقرة المتعلقة باعتبار الحكومة مستقيلة في حال انسحاب تحالف الكتل الكردية منها، الى المطالبة بأن يكون منصب الامين العام لمجلس الوزراء لصالح ائتلاف الكتل الكردستانية، فضلا عن المطالبة بتطبيق الفقرة 140 من الدستور الخاصة بتطبيع الاوضاع في كركوك التي يعدها البعض فقرة "منتهية الصلاحية" باعتبار انها محددة بسقف زمني لتطبيقها ينتهي عام 2007.
ودفعت اعتراضات الكتل السياسية على الورقة الكردية آنذاك الى تدخل الزعيم الكردي رئيس الجمهورية جلال طالباني لتخفيف حدة المعارضه لها، عندما اعلن انها ورقة قابلة للتفاوض وليست نهائية.
اما اليوم فقد تغير كل شيء تقريبا، ودخلت الورقة الكردية لعبة المناورات السياسية الدائرة بين الاطراف العرب، ممثلة بائتلافات "دولة القانون" و"العراقية" و"الوطني العراقي" من بابها الاوسع. حتى ان غالبية المراقبين ترى ان التنافس المحموم بين الكتل العربية الثلاث للفوز برئاسة مجلس الوزراء احدث تحولا دراماتيكيا لصالح تحالف الكتل الكردية، ودفع به اخيرا الى صدارة المشهد السياسي باعتباره "بيضة القبان" التي عرف بها بعد 2003 بعدما تراجعت نسبياً اهميتهم السياسية بعد انتخابات 7 آذار الماضي كونهم حصلوا مجتمعين على نحو 57 فقط من اصل 325 مقعدا نيابيا، بينما ذهبت غالبية المقاعد النيابية المتبقية الى المكون العربي في العراق.
"رضا الاكراد"
والواضح ان لا شيء يجمع الكتل العربية في هذه الفترة سوى أمر واحد واكيد عنوانه السعي الى كسب "رضا الاكراد"، ولم يسمع عن قادة واعضاء الكتل السياسية العربية طوال الاسبوع المنصرم سوى تقليل شأن الخلاف حول ورقة المطالب الكردية والترحيب بقبولها، او على الاقل التفاوض في شأنها وقبول معظم بنودها.
فقد اعتبر زعيم ائتلاف "دولة القانون" رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي في تصريحات لـ"قناة الحرة "الاميركية الجمعة، ان الورقة المقدمة من تحالف الكتل الكردية لا تتضمن مطالب "تعجيزية"، ومن الممكن التوصل الى تفاهمات محددة في شأنها.
اما "القائمة العراقية" بزعامة رئيس الوزراء سابقاً اياد علاوي فقد أبدت استعدادها للتعامل بايجابية مع الورقة الكردية على لسان اكثر من شخصية، اذ قال القيادي في القائمة اسامة النجيفي ان "العراقية نظرت الى الورقة الكردية بايجابية وهي محل دراسة داخل القائمة". واضاف النجيفي الذي يوصف بأنه احدى اهم الشخصيات العربية في محافظة نينوى "المناوئة" للتطلعات الكردية ان قائمته "ستتفاوض مع الاكراد حول هذه الورقة بكل شفافية". كما رحب بمبادرة رئيس اقليم كردستان مسعود البارزاني الذي دعا الى جلوس القوى السياسية الفائزة الى طاولة واحدة.
والامر نفسه اكده العضو الآخر في "العراقية" ظافر العاني حين اعتبر ان "بعض" ما في الورقة الكردية "يتضمن رؤية تنسجم مع تطلعات القائمة العراقية". واضاف: "ان التحالف الكردستاني بات اليوم قريبا من القائمة العراقية مثلما هو اليوم مع المجلس الاعلى والفضيلة والتوافق ووحدة العراق".
اما المجلس الاعلى الاسلامي بزعامة السيد عمار الحكيم والذي هو احد مكونات "الائتلاف الوطني العراقي"، فما انفكت قيادته تتحدث منذ بداية الشهر الجاري عن تقارب كبير بينها وبين القوى الكردية، وعلى امتداد الايام العشرة الاخيرة صار شائعاً الحديث عن محور (المجلس الاعلى – العراقية – الاكراد) لتأليف الحكومة، في مقابل محور (دولة القانون- التيار الصدري) بعدما اعلن المحور الاخير نوري المالكي مرشحا عن" التحالف الوطني" مطلع الشهر الجاري.
ومن الواضح ان الصراع الدائر على السلطة في بغداد بين الساسة العرب يصب تماما في المصلحة الكردية، ولعل من صالح الاكراد تغذية هذا الصراع وادامته، بل يمكن القول إنهم يسعون في الغالب الى ادامته، وفي نظر معظم المراقبين والمواطنين، فان الاكراد حتى هذه اللحظة هم اكثر الاطراف العراقيين المستفيدين من عملية اطاحة نظام الرئيس السابق صدام حسين.
فحال الاكراد تحولت في غضون السنوات الاخيرة من جماعة مضطهدة وخائفة ومحرومة المشاركة في السلطة، الى جماعة منظمة وقوية تسيطر على اقليم مستقر وآمن ويحصلون على نسبة 17 في المئة من عائدات العراق المالية، فضلا عن حصولهم على مواقع سيادية مهمة في حكومة المركز ببغداد، ويأتي في مقدمها منصب رئاسة الجمهورية. غير ان "الفائدة " الكردية لا ينظراليها من وجهة النظر المحلية العربية بحساسية بالغة على الدوام، بل ان الكثير من المواطنين العرب يقدرون للاكراد موقفهم المتماسك في الدفاع عن حقوق مواطنيهم، فيما ينظرون الى ساسة عرب العراق باعتبارهم معزولين في المنطقة الخضراء ولا يكترثون لمصالح مواطنيهم.
"النهار"




















