ثمة أسئلة وعلامات استفهام عديدة تدور حول اعتقال الحكومة العراقية لعشرات الضباط العراقيين (هنالك تباينات حول العدد!) بتهمة الانتماء لحزب محظور، وهو «حزب العودة» (وريث حزب البعث)، والتمهيد لعودته إلى الحكم، بالإضافة إلى تهمة أخرى، وهي «تسهيل عمل الإرهابيين».
لم تثبت بعد التقارير الإعلامية التي تحدثت عن الإفراج عن أغلب الضباط، لعدم وجود أدلة قوية. لكن ما ثبت بصورة قاطعة أنّ التهمة، بحد ذاتها، تستبطن أبعاداً ودلالات سياسية متعددة، فضلاً أنّها ترتبط بمصالح وأهداف سياسية خاصة برئيس الوزراء نوري المالكي.
تلك الأبعاد والأهداف أكّدتها بوضوح تصريحات لكل من وزير الداخلية العراقي، الذي اتهم جهات سياسية بفبركة القضية، وكذلك لمسؤول عسكري أميركي ربط المسألة برمتها بملف الانتخابات المحلية القادمة في نهاية كانون الثاني (يناير) 2009.
بالنظر أولاً لملف الانتخابات المحلية، فإنّ الاعتقالات من الممكن بالفعل أن تخدم أهداف وأجندة رئيس الوزراء المالكي، في مواجهة تصاعد أزمته مع القوى السياسية الشيعية الأخرى، وتجذّر حالة الانقسام والاستقطاب داخل الصف الشيعي قبيل الانتخابات.
فالمالكي اشتبك سياسياً وعسكرياً مع التيار الصدري أكثر من مرّة، الأولى في المعركة العسكرية مع جيش المهدي في مدينة الصدر والبصرة، والثانية لدى التوقيع على الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة الأميركية. ولا تخلو علاقة المالكي مع المجلس الأعلى الإسلامي (مجلس الثورة سابقاً) من تنافس على كعكعة السلطة، والتكدّر بحسب أجندة طهران.
يضاف إلى كل ما سبق الخلافات الكبيرة بين حزب الدعوة، الذي يقوده المالكي، وحزب الإصلاح الوطني الذي انشق عنه بقيادة رئيس الوزراء السابق، إبراهيم الجعفري، وكذلك الخلافات الأيديولوجية والسياسية مع حزب القضيلة الشيعي.
إذن، يبدو المشهد السياسي الشيعي مفتتاً مقسّماً قبيل الانتخابات المحلية، ما يجعل التنافس بين القوى السياسية على أشده في الانتخابات المحلية القادمة، ويهدد شعبية كل منها قوته السياسية.
في هذا السياق من التطورات والتحولات يمكن قراءة قضية اعتقال الضباط العراقيين، باعتبارها وسيلة وأداة من أدوات كسب الشارع الشيعي بالضرب على وتر المخاوف المكبوتة لديه من عودة «حزب البعث» من النافذة بعد أن خرج من الباب.
الهواجس الشيعية، وإن كان كثير منّا يعتبرها مبالغة أقرب إلى الدعاية السياسية، إلاّ أنّها تُلتقط بوضوح لدى العديد ممن تلتقيهم من الشيعة العراقيين، الذين يشيرون إلى عودة تغلغل عناصر محسوبة على حزب البعث سابقاً، في الأجهزة الأمنية وفي وزارة الداخلية تحديداً.
وبعيداً عن التدقيق في هذه الدعوى ومساءلتها، فإنّ لها سوقاً جيدة في الشارع الشيعي، ما يسهّل عملية «بيع» قصة اعتقال الضباط لدى هذا الشارع أمراً سهلاً وممكناً.
البعد الثاني، الذي تُقرأ فيه قضية الاعتقال، يتمثل في البدء بعملية إدماج الصحوات السنية في قوات الأمن والجيش العراقي.
فالحديث عن ولاء العديد من الضباط لحزب البعث، ومحاولات عودة الحزب واختراق الأجهزة الأمنية والعسكرية، كل ذلك – بلا شك- يصب في المحصلة في سياق عرقلة هذه العملية، التي تهدف (أولاً) إلى احتواء العراقيين السنة وإدماجهم في الدولة، وإلى إعادة هيكلة الأحهزة الأمنية والعسكرية وإبعادها عن الغلبة الطائفية والعرقية من ناحية أخرى.
ومن المعروف أنّ عملية الإدماج تلقى معارضة شديدة ضمنية لدى العديد من القوى السياسية الشيعية، التي تسعى إلى إبعاد السنة عن الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتعمل على ابطاء عملية الدمج وعرقلتها.
وبالضرورة، فإنّ الإعلان عن وجود تنظيم يسعى إلى عودة حزب البعث يهدف إلى تعزيز الهواجس والمخاوف وإثارة العقبات، والحفاظ على البنية الراهنة لهذه الأجهزة.
في المقابل، تبدو المفارقة الواضحة أنّ التهمة – بحد ذاتها- ضعيفة ومهزوزة، أي الانتماء لحزب محظور. فالمشهد السياسي العراقي اليوم يقوم على حسبة ومعادلات طائفية وعرقية تنعكس من خلال القوى السياسية المختلفة.
وللتذكير كانت وزارة الداخلية، في حقبة الجعفري، وكراً لعمليات التطهير العرقي والإعدامات بالجملة والتعذيب الوحشي.. ألا يُعدّ ذلك اختراقاً سياسياً عميقاً وكبيراً؟!
والظاهرة نفسها تبدّت لحظة إعدام الرئيس السابق، صدام حسين، عندما أخذ الحاضرون يهتفون باسم زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، أليس ذلك – أيضاً – اختراقاً طائفياً وسياسياً.
والحال أنّ تهمة الانتماء لحزب محظور تبدو مضحـكة في ظل حالة الاصطفاف السياسي والطائفي الحالي، التي تستغرق المشهـد السيـاسي العــراقي بـأســره، وفــي مقدمة ذلك المؤسسات الأمنية والعسكرية.
المسألة لا تعدو أن تكون حسابات انتخابية أو سياسية داخلية بعيداً عن أي مؤامرة مزعومة أو منسوبة. لكن أخطر ما في الأمر أنّ هذه الحادثة تعيد الاعتبار لحالة الشك والريبة المتبادلة بين الأطراف السياسية الداخلية، وتعزف على وتر خطر يفترض بالمسؤولين العراقيين الوطنيين تجاوزه، بدلاً من استثماره الحزبي في الانتخابات أو تصفية الحسابات.
وفي المحصلة، فإنّ الآمال التي عقدت على رئيس الوزراء المالكي – (من قبل كثير من السياسيين والمراقبين العرب) بسعيه إلى الابتعاد خطوات قليلة عن طهران وعن الاصطفاف الطائفي- تتراجع وتبدو أقل تفاؤلاً مع هذه القضايا التي تسير بعكس الجهود المبذولة للحد من الطائفية وتداعياتها السياسية والأمنية.
* كاتب أردني.
"الحياة"




















