السيناريو معروف مسبقاً. ستشن إسرائيل عملية ما في غزة، وفي مرحلة معينة سيُصاب مدنيون، العالم سيُذهل، وإسرائيل ستعتذر وتوضح أنها لم يكن لديها من خيار.
هذا السيناربو، الذي يكرر نفسه في كل حادث أمني تقريبا، يعكس الوضع المحزن للدعاية الإسرائيلية، التي بدل ان تقوم بترسيخ بنية تحتية اعلامية متواصلة، تنفذ فقط عمليات شبه دعائية متهورة تضعنا في مكانة متدنية وتعزز الهزيمة الاعلامية المعروفة مسبقاً.
وزارة الخارجية، المسؤولة عن الدعاية الاعلامية الإسرائيلية في الخارج، تقوم منذ مدة، وكجزء من استراتيجيتها الترويجية، بتقديم اسرائيل الجميلة، ذات السماء الزرقاء، المناخ المذهل، الشواطئ الذهبية، المناظر القديمة والحديثة المختلطة ببعضها، وصورة النظام الديمقراطي الذي من المُترض أن يُلاقي قبولا جيدا في دول العالم المتطور.
لكن المشكلة هي ان العالم لا يُصدق هذا الترويج. ففيما الدعاية الإسرائيلية تُغرق شوارع أوروبا والولايات المتحدة بالإعلانات عن الاستجمام والحرية، تعرض شاشات التلفزة في أوروبا حقد وكراهية الفلسطينيين والمتحدثين المتعصبين من بين قادة حماس. وحتى المتحدثين الأقل تعصباً ظاهرياً، مثل أبو مازن وسلام فياض، يستغلون كل مناسبة لتشويه سمعة إسرائيل، دون أن ترد إسرائيل ودون أن تهاجم من يُشهرون بها.
نحن بحاجة الى بنية تحتية دعائية إعلامية ناجعة وقوية تُبنى بشكل متواصل من أجل التصدي للتوبيخات الأحادية الجانب التي يوجهها الأمين العام للأمم المتحدة والتي يُحملنا فيها المسؤولية عن الوضع البائس لسكان غزة، إلى جانب الملاحظات التهكمية من قبل مسؤولي الحكومة البريطانية، ومع المحاولات التي لا تتوقف لفرض مقاطعة أكاديمية على إسرائيل. نحن بحاجة الى مثل هذه البنية التحتية، التي تخدمنا قبل تنفيذ العمليات العسكرية، لأن هذه هو الوضع الثابت للواقع في السنوات الأخيرة.
هكذا مثلاً، بالنسبة لسكان غزة، الأبرياء وغير الضالعين في الإرهاب ظاهريا. فهؤلاء هم في الواقع سكان يؤيدون الارهاب، لأنهم اختاروا سلطة حماس من دون أي ضغط، وبمعرفة واضحة من قبلهم بمواقف الحركة الارهابية وأساليب عملها. السكان في غزة يتيحون لحماس اطلاق الصواريخ من بيوتهم وباحاتهم انطلاقا من تعاطفهم الكامل مع أهداف الحركة، وضرورة تحقيقها. التعبير التالي "سكان مؤيدون للارهاب" يجب أن يتكرر كشعار في كل عمليات الدعاية والإعلام الإسرائيلي.
الهدف من حملة التشهير هو العمل على تقديم حماس بصورة العصابة الارهابية في نظر الرأي العام في كثير من المناطق، التي تسيطر على عدد من العصابات، وتطلق الصواريخ الى داخل التجمعات السكانية المدنية الإسرائيلية، من دون تمييز بهدف القتل والمس بأكبر عدد ممكن من الأولاد، المسنين والأطفال الرُضّع. مثل هذه الحملة يجب أن تبدأ بإعلان دراماتيكي حازم وواضح، يُعلن بأنه جرى تخطي الخطوط الحمراء، وأن إسرائيل على وشك اللجوء الى عملية عسكرية لا سابقة لها ضد كيان الارهاب الغزاوي الذي يُنكل بمواطنيها، من اجل تصفيته وقادته. يجب أن يؤدي الجهد الإعلامي مقابل كل وسائل الإعلام الرائدة في العالم، الى خلق أصداء حالة طوارئ تفيد أنه "بلغ السيل الزُبى"، كي يفهم الجميع أن إسرائيل وصلت الى نهاية صبرها، وأن مسار التصادم عبر نقطة اللاعودة.
هكذا، عندما تشن إسرائيل عمليات عسكرية ضد حماس، الآن أو في وقت آخر، سيكون في خدمتها بنية تحتية إعلامية دراماتيكية وناجعة، تشوش التأثير السلبي الشديد للجو الإعلامي الذي تنتجه حماس والسلطة الفلسطينية في مثل هذه الحالات.
("غلوبس" 26/12/2008)




















