أبت إسرائيل أن تترك العام ينقضي، من دون أن يحمل معه بصمات مجزرتها الهمجية الموعودة؛ في غزة. الجريمة الدموية البشعة التي ارتكبتها عصر أمس، والتي سقط فيها مئات الشهداء والجرحى؛ مهّدت لها بخبثها المعروف؛ ونفّذتها بغدرها المألوف. تعمدت افتعال الظروف المؤدية إلى التفجير.
شنّت حملة تضليل وتضخيم، لإيجاد مناخ يسمح لها بتسويق فعلتها البربرية الشنيعة. كالعادة، عملت على ترويج مشهد مزيّف، تبدو فيه وكأنها الضحية. الوزيرة ليفني قامت بحملة محمومة، قدّمت خلالها صورة درامية لما وصفته بأنه وضع لا يطاق في القرى والبلدات الإسرائيلية؛ جرّاء «الصواريخ» المنطلقة نحوها من القطاع. وكأن هذا الأخير يملك قدرات صاروخية استراتيجية. علماً بأنه لم يسقط، في الأيام السابقة على المجزرة، إسرائيلي واحد، جراء تلك الصواريخ. وإمعاناً في التضليل والمكر، أكثرت إسرائيل في الآونة الأخيرة من الحديث عن السلام ورغبتها في تحقيقه.
استحضرت «المبادرة العربية»، التي طالما تجاهلتها، منذ إقرارها في قمة بيروت عام 2002. فطنت فجأة لما سمته بالإيجابيات فيها. الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، يبشّر، بثعلبته المعروفة، بالسلام واستعداد إسرائيل له؛ وكأنه صار من عشّاقه؛ وذلك قبل ساعات من الجريمة الآثمة. كان كل ذلك من باب التحضير للآتي، بعد نفاد فترة التهدئة؛ قبل أسبوع. التهدئة التي افتعلت إسرائيل خرقها أكثر من مرة، خلال أشهر العمل بها.
وما إن فاتت نهايتها المحدّدة، حتى قامت بالعملية، التي فجّرت الموقف. جوقة التصعيد، سارعت إلى التقاط الفرصة لضخّ المزيد من الشحن والتحريض. وزراء حكومة أولمرت، راحوا يتبارون في التشدّد، تجاه غزة. تراوحت المطالبات بين دعاة الاجتياح وبين المطالبين بعملية واسعة، من دون غزو. الإجماع انعقد على توجيه ضربة قاسية. وعشية ساعة الصفر، لجأت الماكينة السياسية- الإعلامية إلى الترويج لمهلة 48 ساعة، كإنذار أخير لغزة؛ مع التذكير بأن «مجلس الحرب»، سينعقد اليوم الأحد؛ وأن أية عملية لن تحصل قبل هذا الاجتماع. حيلة للتغطية على مجزرتها الغادرة، التي باشرتها بعد ساعات قليلة من هذه الإشاعات.
المجازر التي تحصد المدنيين بالجملة، من نساء وأطفال وكهول وطلبة مدارس، ماركة إسرائيلية مسجّلة. التاريخ خصّص لها واحدة من اشد صفحاته سواداً. سجلّها طافح بالمآثر الدموية. من دير ياسين الفلسطينية، إلى مدرسة عين البقر المصرية، إلى قانا اللبنانية؛ وأخيراً لا آخر مجزرتها الغزاوية. المسلسل مفتوح.
الانفلات إسرائيلي على كل صعيد تجاوز كل الحدود في استباحة البشر والأرض. ثمة خلل حال دون الوقوف في طريق هذه العربدة. ولا بدّ من وقفة مراجعة، فلسطينية وعربية؛ تكفل وضع الإصبع على مواطن هذا الخلل، الذي سمح للعدوان الإسرائيلي مواصلة مسيرته، بهذا الشكل. والبداية في البيت الفلسطيني.




















