حازم صاغيّة
المأساة نفسها، الألم نفسه، الصور نفسها، والخطابات نفسها. ومرّة أخرى، يبدو من السهل توظيف الألم خادماً للخطأ. أما العنوان الأبرز اليوم، على هامش مأساة غزّة، فهو: مصر.
حتّى الأعمى يرى الرغبة الجارفة في توتير مصر وهزّها، إن لم يكن في إشعالها. أمين عام «حزب الله» اللبنانيّ يحضّ المصريّين على اقتحام معبر رفح بالقوّة. السفارات المصريّة يستهدفها المتظاهرون والمحتجّون. بعض التلفزيونات لا يتكتّم على حملته ضدّ مصر. هنيبعل معمّر القذّافي، هنيبعل ابن أبيه وضارب الخدم، يخبرنا أن مصر تمنع طائرة تحمل المساعدات الليبيّة من الهبوط في مطار العريش، وأن سفينة ليبيّة «انتحاريّة» ستتوجّه إلى القطاع (مرّة واحدة!). السخافة تبلغ ذروتها مع اتّهام الأمن المصريّ بإرشاد طائرات إسرائيل إلى حيث ينبغي الضرب!
الموجة توحي كأنّ مأساة غزّة كانت مطلوبة ومرغوبة من أجل إحراج مصر. فعلاً ما كادت الهجمة الإسرائيليّة تبدأ حتى اكتملت مضابط الاتّهام للقاهرة. أمر عجيب!
«الإخوة في حماس والجهاد والبعث وحزب الله والقيادة العامّة والقوميّ السوريّ وحرس الثورة» فاتهم أن مصر بلد يناهز الثمانين مليوناً، محكوم، كما الدول جميعاً، بالتزامات ومعاهدات ومواثيق. فاتهم أنّ مصر لن تفتح معبر رفح هكذا بحيث «تطيح رياح الغضب كلّ الحدود وتهدم السدود». هذا كلام أطفال.
هل ثمّة كائن يجمع بين النضج وحسن النيّة يصدّق أن على المصريّين أن يعملوا بموجب «استراتيجيّة» وضعها خالد مشعل؟ أن «يفتحوا باب الجهاد» وأن «يعلنوا الحرب على إسرائيل»؟ وهل يجوز لهذا «الأخ» أو ذاك، ومن دون استشارة أحد، أن يزجّ شعبه، ثمّ المنطقة، في أتون حذّر المصريّون، وغيرهم، مراراً وتكراراً، منه؟
وهذا جميعاً ليس صدفة بطبيعة الحال. فجبهة الممانعة اتّبعت، منذ ولادتها، سياسة قائمة على النبذ والطرد والاستعاضة عن المطرودين بتحالف أحاديّ مع دمشق وطهران يستحيل أن يجد لنفسه ترجمة عسكريّة. وحيال مصر ولدت أصول هذه السياسة، قبل ثلاثين عاماً، عندما وقّعت القاهرة معاهدة كامب ديفيد. يومها قوطعت مصر والمصريّون، وصار صدّام حسين إيّاه من يفتي، في قمّة بغداد الشهيرة، بسلامة السلوك «القوميّ» من عدم سلامته.
تلك كانت البداية البعيدة لسياسة الانتحار التي ازدهرت لاحقاً. ذاك ان خروج مصر من المجابهة كان كفيلاً بإقناع من يحكّم العقل بأن المواجهة انتهت وصارت مجرّد مكابرة مكلفة. يومذاك كان ينبغي إغلاق الملفّ بأيّ ثمن لأن القوى التي ستستأنف الصراع ليست مهيّأة له، لا موضوعيّاً ولا ذاتيّاً، وهذا فضلاً عن أن تولّيها المهمّة لن يحمل الى المشرق المفتّت غير المزيد من التفتّت والاحتراب الأهليّ.
وهكذا كان في موازاة الرهان على إحلال إيران الخمينيّة محلّ مصر، ثمّ إحلالها محلّ الاتّحاد السوفياتيّ المتداعي.
بموجب منطق من هذا الصنف يمكن أن نفهم معنى عبارات ترفض الاستسلام «حتّى لو أبادوا غزّة».
وفي هذه الغضون كان غنيّ الدلالة أن صدّام حسين نفسه، راعي طرد مصر من الجامعة العربيّة وطرد الجامعة منها، بات راعي إرجاع مصر إلى الحظيرة العربيّة كي تقف في وجه إيران!
لقد بدأت دورة التحلّل والانتحار بموقف من مصر. وربّما كان الموقف الأخير من مصر إيذاناً ببداية نهاية هذه الدورة.




















