تركز الباحثة الجامعية تانيا راينهارت في كتابها الموسوم بـ "أكاذيب عن السلام- حرب باراك وشارون ضد الفلسطينيين" (إصدار : منشورات "سفري تل أبيب"- تل أبيب، 2005)، بصورة تكاد تكون جوهرية، على وسائل الإعلام الإسرائيلية وأدائها المبتور وعلى أزمة اليسار الإسرائيلي الصهيوني، الذي وقف من خلف "فكرة أوسلو".
وهي تؤكد في مقابلة خاصة ظهرت في آخر الكتاب وأدلت بها لمحرره، أن اعتمادها الرئيسي في تأليف فصول الكتاب كان على وسائل الإعلام الإسرائيلية في سيرورة أريد لها، كقولها، "تخليص الحقائق من ربقة المزاعم الأساسية، والفصل بين الحقائق وتلك المزاعم في سبيل تشييد تفسير متجدّد للحقائق".
وسبق أن صدر هذا الكتاب باللغة الإنجليزية عن منشورات "سيفن ستوريز برس" في نيويورك قبل أربع سنوات من صدوره باللغة العبرية في سنة 2005، وذلك تحت العنوان: "إسرائيل- فلسطين: كيف يتم إنهاء حرب 1948".
أما في ما يتعلق بـ "اليسار الإسرائيلي" فإن الباحثة تتبنى الفكرة القائلة إن هيمنة اليمين والوسط على المؤسسة السياسية الإسرائيلية، والتي على ما يبدو لن تجد هذه المؤسسة لنفسها فكاكًا منها حتى إشعار آخر، راجعة إلى تبدّد "البديل اليساري" شذر مذر. ولغرض توكيد الفكرة فهي تستعيد الأجواء التي جرت فيها المنافسة في انتخابات الكنيست السادسة عشرة (في كانون الثاني2003) بين "الليكود" بزعامة أرييل شارون و"العمل" بزعامة عمرام ميتسناع.
"رويدًا رويدًا- تكتب راينهارت- أصبح ميتسناع غير مختلف كثيرًا عن شارون (بالنسبة للموقف من مستقبل المناطق الفلسطينية). وفي اللحظة التي يكون فيها الخيار الماثل أمام المترددين (بشأن هوية الجهة التي ينبغي التصويت لها) هو بين يمين واضح ونهج مماثل متبّل ببلاغة يسارية (جوفاء) فإن ذلك يسعف في إقناع هؤلاء بأن طريق اليمين هي الطريق الوحيدة عمليًا. أما إذا كتب علينا أن نحارب الفلسطينيين وأن نسعى إلى طردهم أو حبسهم فإن في إمكان شارون أن يفعل ذلك أفضل من ميتسناع بكثير".
وتضيف: "من ناحية أخرى فهم شارون الوجهة التي تميل الأكثرية نحوها، ووعد بالخروج من المناطق (الفلسطينية). وقد دلت استطلاعات الرأي العام، عشية تلك الانتخابات، على أن نسبة المؤيدين لشارون، نحو 60 في المئة، تؤمن في الوقت ذاته بأنه سيخرج من المناطق ويفكك مستوطنات. معنى ذلك أن شارون ذرّ رمادًا يساريًا في العيون ودارت دعايته الانتخابية حول إنهاء الاحتلال (وإن لم يتم ذلك من خلال هذه التعابير تحديدًا) وإخلاء مستوطنات، بينما في برنامج ميتسناع انزاح جانبًا الخروج من المناطق، وكفّ هو ذاته عن الحديث حول انسحاب فوري مكررًا أنه ينبغي التفاوض. وبدا أن البرنامجين متماثلان. بل إن ميتسناع بدأ بالحديث عن الجدار الفاصل. إن فعل عكس ما يفعله شارون يحتاج إلى شخص آخر، مغاير. وفي تحليلي أن ميتسناع بث عدم صدقية ووهنًا. كذلك فإن تعاونه في إقصاء يوسي بيلين وحمائم العمل طرح شكوكًا جمّة بشأن قدرته على إنجاز شيء ما".
الجيش- "الحكومة الدائمة"
ينطوي كتاب راينهارت، زيادةً على ما ذكر، على تعميق لجانب دور العسكر (الجنرالات) في رسم حدود السياسة الإسرائيلية. وهي تشير في هذا الخصوص إلى أن المؤسستين العسكرية والسياسية في إسرائيل كانتا على الدوام مجدولتين ببعضهما البعض. وطبقًا لأقوال "مصدر أميركي في الكونغرس" فإن الذي يقرّ في إسرائيل الإستراتيجيات وسلم الأولويات القومي، باعتبارها موضوعًا يقف في صلب الإجماع (الوطني)، ليس هيئات تتولاها تعيينات سياسية وإنما أشخاص في البزات العسكرية.. وجميع حكومات إسرائيل السابقة أولت اهتمامًا هائلاً للاقتراحات التي طرحها الجيش حيث أنه يمثل "الحكومة الدائمة"، حسب أقوال المصدر الأميركي نفسه. مع ذلك- تؤكد المؤلفة- لم يكن للجيش دور مركزي في السياسة الإسرائيلية يضاهي الدور الذي يقوم به منذ فترة باراك، وكما أمسى دوره في ظل حكومة شارون.
وثمة تركيز استثنائي على باراك وعلى جوهر أدائه في فترة توليه رئاسة الحكومة. وهو تركيز أريد له أن يسند الخلاصة التي تتوصل إليها المؤلفة، والذاهبة إلى أن باراك لم يتطلع إلى تحقيق مصالحة مع الفلسطينيين في قمة "كمب ديفيد"، ولم يحاول تقريب النزاع من نهايته، حقاً. والتأويل الأكثر معقولية لما أقدم عليه باراك في "كمب ديفيد" هو أنه "بادر إلى هذه القمة بهدف إفشالها من طريق العمد، وبذا يثبت أن الفلسطينيين هم الطرف الرافض". وهذا ما يفسّر، بكيفية ما، استمرار تباهيه بكونه "الذي كشف عن الوجه الحقيقي لعرفات". وتحيل المؤلفة قراء الكتاب إلى "سوابق باراك" في ممارسة الخديعة، وأبرزها سابقة المفاوضات مع سوريا التي حصلت قبل القمة في "كمب ديفيد".
كما أنها، على صلة بذلك، تحشد سيلاً من البراهين لكي تثبت أن باراك هو الوجه الآخر لشارون وأن هذا الأمر هو تحصيل حاصل تاريخ التعاون الطويل بينهما، من جهة ومحصلة مفهومهما المشترك، من جهة أخرى.
فعشية الانتخابات الإسرائيلية في كانون الثاني 1999 (تنافس فيها باراك في مقابل بنيامين نتنياهو) نشر أمير أورن، معلق الشؤون الأمنية في جريدة "هآرتس"، نصّ وثيقة مهمة جرى تسريبها إليه (على ما يبدو من طرف شارون) هي عبارة عن مذكرة شخصية وجهها، في آذار 1982، الجنرال إيهود باراك، رئيس شعبة التخطيط في هيئة أركان الجيش العامة آنذاك، إلى وزير الدفاع شارون، وذلك في سياق إعداد إسرائيل لغزو لبنان. في هذه المذكرة يحضّ باراك شارون على توسيع نطاق الغزو المرتقب إلى درجة "شنّ هجوم واسع النطاق على سوريا". وقد تجوهر أورن، في معرض تحليله لتلك المذكرة، في كيفية فهم باراك للديموقراطية. وطبقًا لما كتبه بالحرف الواحد فإن المذكرة "تكشف عن جانب شديد الخطورة في شخصية باراك، هو جانب الاستعداد (غير المحدود) للمشاركة في مؤامرة غايتها أن تخدع ليس فقط الأعداء وإنما أيضًا المواطنين والجنود والمنتخبين… وباراك متهم بذلك بسبب تقديره لفهم أرييل شارون العسكري، فكلاهما استمرار جليّ لأبي سلالة الجنرالات السياسيين- موشيه ديان".
لا شك في أن أي تفصيل في شخصية باراك يعتبر معينًا لتقويم أدائه كرئيس حكومة. وما تفعله راينهارت، على امتداد صفحات الكتاب كلها، هو محاولة وصل ما انقطع بين هذا الأداء وما كان عليه في مختلف المناصب التي تدرّج فيها، كعسكري وسياسي.
وثمة تفصيلات عديدة داخل النتيجة النهائية التي تتوصل إليها وأشرنا إليها في ما سبق (عدم سعيه إلى تحقيق مصالحة حقيقية في "كمب ديفيد" وتشديده على تأطير الفلسطينيين في خانة الرفض، في نظر الرأي العام الإسرائيلي والعالمي). ويتعين علينا أن نتوقف، بقدر مناسب من التوسع، عند بعض هذه التفاصيل:
• نقطة التحول الحاسمة في "كمب ديفيد" تمثلت في مطلب باراك أن يوقع الطرفان على "اتفاق نهائي" يترافق مع إعلان فلسطيني بشأن "نهاية النزاع". وتؤكد راينهارت أنه لو أن الفلسطينيين وقعوا على إعلان كهذا لكانوا سيفقدون حقهم القانوني في أي مزاعم مستقبلية تستند إلى قرارات الأمم المتحدة.
وتضيف موضحة:
إن الأساس القانوني للمفاوضات كان ولا يزال قرارات الأمم المتحدة، وخصوصًا القرار 242 الذي اتخذ (من قبل مجلس الأمن) في 22 تشرين الثاني 1967 وطالب بـ "انسحاب القوات الإسرائيلية المسلحة من (الـ) مناطق (التي) احتلت في النزاع الحالي". ولكن أيضًا القرار 194 في 11 كانون الأول 1948، الذي يتطرق إلى حق العودة للاجئين الفلسطينيين وقرارات أخرى اتخذت على مدار السنوات. وإذا ما أعلن الفلسطينيون عن "نهاية النزاع" ووقعوا على اتفاق نهائي، حسب طلب باراك، عندها يكون الاتفاق الجديد هو، بصورة رسمية، الأساس القانوني الملزم للمستقبل الآتي وتفقد قرارات الأمم المتحدة التي سبقته مفعولها.
• مسألة القدس:
"التنازل التاريخي" الكبير الواقف وراء استعداد باراك لما اصطلح على وصفه بـ "تقسيم القدس" لم يكن أكثر من "الاستعداد لدراسة الوفاء بتعهد إسرائيلي قديم يتعلق بأبو ديس".
لقد آمن الفلسطينيون بأن أبو ديس وقرية العيزرية المجاورة ستكونان مشمولتين في إطار "النبضة الثانية" التي اتفق عليها في شرم الشيخ في أيلول 1999، بمعنى أن يتم نقلهما إلى السيطرة الفلسطينية الكاملة (منطقة أ). في أيار 2000 تذمر الرئيس عرفات بأنه منذ ستة أشهر يتلقى وعودًا بنقل أبو ديس وما من شيء يحدث البتة. غير أن باراك واصل التنكر للوعود ورفض النقل. وعشية "كمب ديفيد" أعلن باراك أنه على استعداد لنقل أبو ديس وقريتين فلسطينيتين مجاورتين إلى سيطرة الفلسطينيين كبادرة حسن نية قبيل القمة. لكنه لم يفعل ذلك. بنظرة إلى الوراء الآن يمكن فك لغز رفض باراك لهذا النقل. فقد حاول أن يجعل الوفاء بتعهد قديم جزءًا مركزيًا من صفقته الجديدة للسلام، ومقابل ذلك يعلن الفلسطينيون عن نهاية النزاع ويتنازلون عن مطالب سابقة وعن قرارات الأمم المتحدة. وتؤكد راينهارت أن استحضار تعهدات سابقة وعرضها كما لو أنها اختراقات جديدة شكل سياسة مثابرة انتهجتها إسرائيل منذ أوسلو.
وفي ما يخص الحرم القدسي الشريف تؤكد راينهارت أن إسرائيل اتبعت، طوال سنوات الاحتلال منذ 1967، سياسة التقليل من أهمية ما يسمى "جبل الهيكل". وفقط حفنة من المتطرفين طالبت بالسيطرة الإسرائيلية عليه. ومع أن الجماعة المسيانية المعروفة باسم "أمناء جبل الهيكل" خططت لوضع حجر الأساس للهيكل الثالث، إلا أنه في كل مرة حاول أعضاء هذه الجماعة فعل ذلك سدّت عليهم شرطة إسرائيل الطريق أو جرّتهم إلى الخارج (كما حصل عشية عيد العرش في سنة 1990). وحتى وقت قريب اعتبر مصطلح "جبل الهيكل" جزءًا من القاموس الهاذي لمتدينين أصوليين متطرفين. بالاستناد إلى ذلك فقد كانت الحكومة العلمانية برئاسة باراك هي الحكومة الأولى التي غيرت السياسة الإسرائيلية إزاء هذا الموقع وجعلت السيادة عليه موضوعًا مركزيًا في مباحثات "كمب ديفيد".
• يقرأ الكتاب سياسة الاستيطان الإسرائيلية في مناطق 1967 في سياق النية البعيدة المدى لركل حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
تعتقد المؤلفة، في هذا الشأن، أن هناك مستويين للتعاطي مع حل مشكلة اللاجئين. الأول هو المستوى العملي والثاني المستوى الرمزي. ويتعلق الثاني بـ "الناراتيف" [الرواية التاريخية] الخاص بموضوع اللاجئين، حيث أن أي زعيم إسرائيلي يتطلع إلى المصالحة على المستوى الرمزي يتعين عليه بداية، من وجهة نظرها، الاعتراف بمسؤولية إسرائيل عن نشوء المشكلة. غير أن السلطة في إسرائيل لم تحظ حتى الآن بزعيم كان معنيًا حقًا بإنهاء النزاع. والأمر الأكيد أن باراك لم يكن كذلك. وفي سبيل التشديد على هذه المسألة تحديدًا فهي تعلن، منذ مقدمة الكتاب، من دون تلعثم أو مواربة، أن الأرض التي أنشئت عليها دولة إسرائيل تم الحصول عليها بواسطة تطهيرها العرقي من سكانها الأصليين- الفلسطينيين. وتتابع: لو أن إسرائيل توقفت عما اقترفته (من تطهير عرقي) في سنة 1948 لكان الافتراض المعقول "أنني أستطيع العيش مع ذلك"، غير أن الأمر استمر وبلغ الذروة في سنة 1967. وفي سنة 1993 بدا أن الاحتلال من سنة 1967 يقترب من نهايته. وآمن كثيرون بأن اتفاقات أوسلو، التي جرى التوقيع عليها في واشنطن في 13 أيلول 1993، ستؤدي إلى انسحاب إسرائيلي من المناطق المحتلة وإقامة دولة فلسطينية. لكن الأمور لم تسر على هذا المنوال. ويتبين الآن أن القيادة السياسية لمعسكر السلام الإسرائيلي حولت روح أوسلو التصالحية إلى وسيلة جديدة أكثر إحكامًا لمواصلة الاحتلال. يضاف إلى ذلك أن قيادة إسرائيل العسكرية تعتبر الحرب الحالية على الفلسطينيين (بعد اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول 2000) "النصف الثاني المكمل لحرب 1948". وقد استعمل المستوى العسكري الإسرائيلي هذا التوصيف فورًا بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، منذ تشرين الأول 2000. ولا شك الآن في أن قصدهم من هذه المقايسة هو أن مهمة التطهير العرقي نفذت في سنة 1948 بنصفها الأول فقط. ولا يمكن تفسير سياسة إسرائيل المنهجية في إصابة الفلسطينيين في إطار الدفاع عن النفس أو ضمن رد فعل التلقائي على الإرهاب. إن ذلك هو ممارسة من التطهير العرقي- عملية يجري فيها طرد مجموعة إثنية من مناطق تتطلع مجموعة إثنية أخرى إلى السيطرة عليها. وفي مكان يحظى باهتمام عالمي كبير مثل إسرائيل/ فلسطين يستحيل اقتراف تطهير عرقي عبر عملية مفاجئة من الذبح المكثف وإخلاء الأراضي. ولذا تجري عملية مثابرة هدفها إجبار الناس، رويدًا رويدًا، على الموت أو الهرب لكي ينجوا بجلودهم.
• تكرّر راينهارت ما أصبح معروفًا عن "مبادرة" إسرائيل، في كل مرة يسود فيها هدوء أو هدنة، إلى عملية عسكرية بسوء نية. وهي تؤكد أن الفلسطينيين لم يتم منحهم بتاتًـا أي فرصة لتحويل نضالهم إلى مقاومة مدنية، وهو ما كانوا راغبين فيه مرات كثيرة. كما تؤكد أن خطط القضاء على السلطة الوطنية وعلى المجتمع الفلسطيني أعدت قبل انتفاضة أيلول 2000.
• كما سلفت الإشارة توجه راينهارت نقدها الشديد إلى "اليسار الصهيوني" المتمسك بالاحتلال. وإذ تؤكد أن القيادة السياسية لمعسكر السلام الإسرائيلي صاحبة تجربة ومراس طويلين في تسيير وجهة معظم المعارضين للاحتلال نحو طريق الحفاظ على الوضع القائم، فإنها تلفت إلى أن هؤلاء الأشخاص هم نفسهم الذين عمموا في أثناء سنوات أوسلو بشرى أن الاحتلال انتهى عمليًا وأن كل ما تبقى هو بضع سنوات من المفاوضات فقط. وهم خبراء في إقناع كل من هو مستعد للإنصات لهم بأن الملك ليس عاريًا وأن المشكلة كامنة فقط في عيوننا. وإذا لم تقف الأكثرية في إسرائيل بالمرصاد لهم فالاحتمال الأقوى هو أن ينجح هؤلاء الخبراء في مهمتهم مرة أخرى. مع ذلك فإنه للمرة الأولى منذ أوسلو نشأت حركة سلام إسرائيلية آخذة في التوسع وهي عصيّة على طوع القادة السياسيين لمعسكر السلام. والنواة الصلبة لهذه الحركة مؤلفة من مجموعات احتجاج محلية عديدة أصبحت فاعلة منذ بدء الانتفاضة. وتذكر منها حركات "يوجد حد" و"شجاعة الرفض" و"بروفايل جديد" و"ائتلاف النساء من أجل سلام عادل" و"تعايش" و"كتلة السلام" و"الغسيل الأسود". والمبدأ الأساسي الهادي لهذه المجموعات هو أن الكفاح من أجل السلام وضد الاحتلال هو كفاح إسرائيلي- فلسطيني مشترك.
توفر الملاحظة الأخيرة فرصة لكي أشير إلى أنه سبق لباحث إسرائيلي آخر هو غولان لاهط أن تناول، بصورة رئيسة، أداء اليسار الإسرائيلي (الصهيوني) إزاء عملية السلام مع الفلسطينيين، وذلك في كتابه "الإغراء المسياني- صعود وسقوط اليسار الإسرائيلي" (إصدار: منشورات "عام عوفيد"- تل أبيب، 2004).
وقد رأى أن احتضار هذا اليسار واندثار الجهود السياسية للوصول إلى السلام (في إثر محادثات "كمب ديفيد"- 2000) يرجعان، أساسًا، إلى ما يسميه "المفهوم المسياني- العلماني الذي تبناه اليسار خلال عقد أوسلو".
ويؤكد لاهط أنه فجأة (عقب محادثات "كمب ديفيد") تبين له أن اليسار المذكور، الذي يعد نفسه كمن يدفع حقوق الإنسان إلى الأمام وكمن يتبنى تفكيرًا علمانيًا، أقرب عمليًا في شكل تفكيره إلى "الحركة الشبتائية"، وحتى أنه أقرب إلى حركات توتاليتارية (شمولية) مثل الشيوعية.
ويرى لاهط أن هناك أربع خصائص للتفكير المسياني. وهذه الخصائص هي: أولاً- إدارة الظهر للراهن القائم، ثانيًا- تغيير ثوري، وليس إصلاحا بيروقراطيًا آخر، ثالثا- ثورة سريعة وفورية، رابعًا- معرفة أكيدة بأن هذه الطريق هي الوحيدة المنطوية على الحقيقة المطلقة الوحيدة.
وفي رأيه فإن "برنامج أوسلو (اتفاق أوسلو) يخلو من العمى المسياني، ذلك أنه تدرجي، واع للعقبات الكثيرة في الطريق ومتشكك"، على حد قوله. ويضيف: "كما أن إسحق رابين، رئيس الحكومة الإسرائيلية المقتول، تمعن في الواقع بعينين شاخصتين. غير أن اليسار الإسرائيلي لم يقرأ الحروف الصغيرة وأصبح أسير السحر المسياني للسلام. لقد تغاضى هذا اليسار عن حقيقة أن غالبية السلام بقيت في الأدراج، وأن الاحتلال استمر كما لو أنه لم يحدث شيء يذكر، وأن أي مستوطنة لم تتحرك من مكانها وأن العنف الفلسطيني، نتيجة لذلك، لم يتوقف. لقد كان الواقع الإسرائيلي نفسه عقبة في الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد (حلم شمعون بيريس) وإلى الثمار الكبيرة التي وعد بها. هذا الواقع كان عقبة أمام الوصول إلى خاتمة المطاف".
إلى ذلك يعتقد لاهط أن المسؤولية عن المناخ المسياني، الذي تطور بعد (اتفاق) أوسلو، يتحملها مباشرة شمعون بيريس ويوسي بيلين. وهو يؤكد أن بيريس هو ذلك الذي بلور، بصورة عامدة، وعيًا إلى ناحية أن السلام أصبح قائمًا. وقد ذهب بيلين في عقبيه. ويضيف أن المسيانية التي تتطلب مسيحًا كاريزميًا هي جزء من التفكير الديني. أما المسيانية العلمانية فإنها لا تستوجب مسيحًا شخصانيًا، إذ أن المسيح في هذه الحالة هو السلام. وأعاد إلى الأذهان، في هذا الشأن، إحدى المقابلات مع شمعون بيريس، حيث تحدث في سياقها عن الحاجة والضرورة إلى الدفاع عن جسد السلام، "كما لو أن السلام هو شخصية تتجول في الشوارع"، قال لاهط. ويتطرق لاهط أيضًا، في كتابه المذكور، إلى العمليات الاستشهادية الفلسطينية فيؤكد أن اليسار الإسرائيلي (الصهيوني) يتغاضى عنها أيضًا. ويقول في هذا الشأن: "بعد السلام بدأ الشارع الإسرائيلي يمتص المزيد من العمليات (الاستشهادية) والمزيد من الثكل. فهل أدى هذا إلى إيقاف اندفاعة اليسار؟ هل أدى هذا إلى تفتيح أبصاره؟ كلا بالطبع. لقد واصل اليسار النظر إلى الأمام، إلى المستقبل الوضاء، بإصرار حصان السبق. وعلى طريق المسيانيين المخلصين ادعى أفراد هذا اليسار أن كل ذلك هو جزء من ثمن السلام. إن التعامل (من قبل هذا اليسار) مع العمليات هو التجسيد الأكثر ملموسية لذلك الوعي المسياني".
وبالنسبة الى موقف هذا اليسار من الفلسطينيين عمومًا يشير لاهط إلى أن هؤلاء ينظرون إلى النزاع (مع إسرائيل) من وجهتي نظر غريبتين تمامًا عن خطاب اليسار المسياني. الأولى هي الاتكاء على الماضي وبالأساس على نكبة الشعب الفلسطيني في سنة 1948 وفي ما بعد في سنة 1967. والثانية هي البعد الديني خصوصًا في كل ما يتعلق بالمسجد الأقصى. وإن اليسار المسياني محا هذين العنصرين تمامًا وظل يتحدث فقط عن المستقبل.
أما إيهود باراك فهو المسياني بامتياز أو بـ"المفهوم الكامل للمصطلح"، في تعبير لاهط، وذلك على مستوى وعيه وفي المستوى العملي.
ويضيف: "لقد رفض باراك الجانب العملي التدرجي لأوسلو، وبدل ذلك اقترح علينا قمة واحدة وحلاً حادًا وسريعًا يضع نهاية للنزاع مرة واحدة وأخيرة" ناسيًا (أي باراك) أن السياسة ليست معادلات رياضية، وأن مئة سنة من النزاع ليس في الإمكان حلها بقمة تمتد أسبوعًا ولا باتفاق واحد. غير أن باراك تمسك بالرأي القائل: إما كل شيء وإما لا شيء. وهذا كان بمثابة الخطأ القاتل الذي ارتكبه، والذي انهار عنده هو، وانهار معسكر السلام كافة معه.
إن البديل الذي يقترحه لاهط هو ببساطة، على مستوى التجريد، الحوار بين الشعوب المتنازعة بصورة مختلفة، تدرجية ومتصلة، خصوصًا في مستوى الوعي ومن خلال الفهم بأن هناك أزمات تعترض الطريق وستظل تعترضها على الدوام.
أما على مستوى التحديد فهو يدعو إلى أن يتفحص الإسرائيليون بينهم وبين أنفسهم ما إذا كانت عملية السلام سائرة في الاتجاه الصحيح وبالوتيرة الصحيحة. "وربما يجدر إحداث تغيير جذري في حياة الفلسطينيين، وجعلهم يشعرون بالجزرة وأيضًا بالعصا بصورة أكثر حدّة مما تم حتى الآن".
يندرج كتاب تانيا راينهارت "أكاذيب عن السلام"، كما كتاب يورام ميتال "سلام مكسور" وكتاب عالم الاجتماع الإسرائيلي ليف غرينبرغ "سلام متخيل، خطاب الحرب- فشل القيادة، السياسة والديموقراطية في إسرائيل 1992- 2006"، وقد سبق أن عرضنا لهما في "قضايـا النهـار"، في عداد المنجز النقدي للسياسة الإسرائيلية إزاء النزاع مع الفلسطينيين خاصة في ما يتعلق بمستجدات سنواته الأخيرة.
وعلاوة على تقديم هذه الكتب مواد معرفية تنطوي على أهمية فائقة، فليس من المبالغة القول إنها تعيد الاعتبار إلى "الحقيقة الجافة"، الموضوعية، التي تتواصل المحاولات لتغييبها وتسميمها في المناخات السياسية الإسرائيلية الرائجة.
ولا نملك الإجابة عن السؤال بشأن قدرة مثل هذا المنحى على أن يزحزح أو يوهـن المعتقدات الشعبية الراسخة إزاء عقد ونصف عقد من السنوات تميز أكثر ما تميز بالصراع على "السلام الإسرائيلي- الفلسطيني"، الذي ظل خلالهما ولا يزال إلى الآن بعيد المنال.
– عكا
(باحث في المركز الفلسطينيللدراسات الإسرائيلية – مدار)
"النهار"




















