المؤشر الأول على اهتزاز مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى اقتصادية وسياسية لم يظهر من الحرب في العراق وأفغانستان، ولا من أزمة القروض السكنية، إنما من إعصار ” كاترينا” الذي كشف عجز الإدارة الأميركية في كل المجالات.
هذا العجز شكل دليلا إضافيا على صحة القاعدة التي لاحظها المؤرخون منذ زمن: في اللحظة التي تُهمل فيها السلطة البنى التحتية القومية، المادية والبشرية، وتتركها تتفكك، يبدأ انهيار الدولة أو الأمبراطورية كجسم يردي مهامه ووظائفه وقادر على توفير الأمن المادي والاحتياجات الحيوية للسكان. هذا ما حصل مع الأمبراطورية الرومانية، والعثمانية، وفي ايامنا يحصل هذا لمجموعة من الدولة تمتد من اليمن حتى كوبا. وهذا ما قد يحصل لنا أيضا.
دولة إسرائيل موجودة فعلا في بداية هذا المنحدر الأملس. فهي تعاني من نقص خطير في المياه بسبب تأخير بناء منشآت تحلية المياه، الطرقات مكتظة والقتل يعربد فيها لأنه لا توجد بنى تحتية للمواصلات العامة جديرة باسمها، لكن الأخطر هو إهمال هيئات الإنقاذ والإطفاء التي تعاني من قلة استثمار مزمنة على صعيد الوسائل والقوى البشرية. فالعجز الذي أظهره جهاز الإطفاء مقابل الحريق الكوارثي الذي حصل في الكرمل وغيرها من المناطق، ما هو إلا إشارات مشتعلة تدل على هذا الاهمال.
يتعين إدراك أن التهديد العسكري الاستراتيجي الرئيس الذي تواجهه دولة إسرائيل اليوم- تهديد السلاح منحني المسار على أنواعه – يلامس بصورة مطلقة تقريبا التهديد الذي ينبع من كوارث الطبيعة. فالقتلى والجرحى الذين نتكبدهم جراء صليات الصواريخ والقذائف الصاروخية لن تنبع من الإصابة المباشرة بل من دمار المباني، من الحرائق ومن انبعاث المواد والغازات السامة باتجاه المناطق السكنية. هذه بالضبط هي الأضرار التي تلحقها الحرائق الضخمة، الهزات الأرضية، الفيضانات والحوادث في المفاعلات الكيماوية.
لكن الحكومة ترفض توفير مئات الملايين، وربما المليارات المعدودة، المطلوبة لبناء منظومة قوية لأجهزة الإنقاذ والإطفاء على صعيد الوسائل والقوى البشرية. ويمكن القول تقريبا أن كل ما لا يُطلق النار في دولة إسرائيل يحظى بأولوية من الدرجة الثالثة والرابعة لأن حكومة إسرائيل، الحالية وسابقاتها في العقد الأخير، ترفض استيعاب حقيقة أن الجبهة الداخلية تمثل اليوم الجبهة وأنه يتعين تخصيص الوسائل من أجل تمكينها من التصدي للكوارث- الحرائق على سبيل المثال – سواء كان سببها صواريخ تسقط على أرضنا أو مصادفة قاتلة بين رياح شديدة وجفاف وشرارة تنشأ نتيجة إهمال المتنزهين، مزبلة عولجت بإهمال أو حريق مفتعل. فعجز الإطفائيين عن السيطرة على النار في الكرمل لا ينبع لا سمح الله من غياب الحافزية أو قلة المهارة. على العكس من ذلك، فهؤلاء الاطفائيون ورجال الشرطة، وعناصر الدفاع المدني، أظهروا جرأة وإقدام استثنائيين. المذنب هو الذي لم يمنح هؤلاء الأبطال المجهولين فرصة للانتصار في كفاحهم لأنه لم يهتم بمنحهم الوسائل وتنظيمهم كما يجب.
إن وجود نقاط لمراقبة النار في ايام الحر، طائرات ومروحيات إطفاء، رافعات إنقاذ وخراطيم مياه لمسافات طويلة، مخزون مائي للإطفاء وجرافات ضخمة – كل هذه الوسائل يمكنها أن تتغلب على النار من دون أن نضطر للتوسل أمام تركيا وبلغاريا لمد يد العون لنا. كما أن توفر اكتفاء قطري على مستوى الأشخاص المدربين والمؤهلين للعمل كرجال إطفاء، كمسعفين وقوى دعم ومساعدة أُخرى، كان يمكنه أن يمنع صرخة اليأس من فم المتحدث باسم جهاز الإطفاء القطري والموجهة إلى الاطفائيين في إيلات من أجل القدوم إلى المركز لنقلهم جوا إلى حيفا. والغريب هو أن هذا المخزون موجود في قيادة المنطقة الداخلية، لكن الانقسام بين سلطات الطوارئ وإجراء التجنيد المترهل حالا دون وصول الأشخاص من هذا المخزون وبسرعة إلى منطقة الحريق.
حسنا تفعل الحكومة والكنيست تجاه مواطني الدولة إذا تنازلا هذه المرة عن تشكيل لجنة تحقيق. يكفي إجراء تحقيقات شرطية بسيطة كي نعرف أسباب اندلاع الحريق الكارثي في الكرمل واستخلاص العبر. ومن الخسارة أيضا تضييع الوقت، المال والأعصاب على لجنة تحقيق تفحص لماذا انهار جهاز الإطفاء القطري في مصيبة. فكل المعطيات والتحليلات والخلاصات توجد تقريبا في مسودة تقرير مراقب الدولة حول أجهزة الاطفاء الذي يوشك نشره قريبا. ينبغي ببساطة أخذ التقرير وتنفيذه.
يمكن للحكومة أيضا القيام بخطوة جريئة وإلزام شبان المدارس الدينية والشباب العرب الخضوع لدورات تأهيلية كرجال اطفاء إضافة إلى سائر مهن الإنقاذ والطوارئ كي يكونوا جاهزين في غضون نصف ساعة لممارسة أعمال الانقاذ في أماكن سكنهم. يتعلق الأمر بعشرات آلاف الشباب المعافين والذين يعرفون جميعهم تطبيق الآية التي تقول أن حفظ النفس يبرر العمل يوم السبت، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بأيام عادية. لكن حاخاماتنا وأئمتهم، ولا سيما السياسيين المسؤولين عن هؤلاءالشباب، مثل وزير الداخلية إيلي يشاي، يفضلون أن يقوم أتباعهم بوضع “التفيلين” (من عدة الصلاة عند اليهود) ويُقتلوا في خيمة التوراة، على أن يُساهموا في إنقاذ الأرواح من النار والدمار. وفي أحسن الأحوال هم مستعدون لجمع جثثنا في إطار جمعية “زاكا” (جمعية تضم متدينين يهود وتُعنى بجمع جثث القتلى اليهود).
ما لم يتم تغيير سلم الأولويات المالي، الاجتماعي والقيمي المشوه بواسطة قرار يصدر عن الحكومة، وقانون تسنه الكنيست، سنواصل تلقي الخسائر والأضرار، وسنواصل الطرق على أبواب الأجانب كي يُنقذونا عند حصول ضائقة.
(“يديعوت أحرونوت” 6/12/2010)
ترجمة: عباس اسماعيل
“المستقبل”




















