قياساً على التحديد الذي اقترحه الطبيب الفرنسي كزافييه بيشا للحياة ومفاده أنها "مجموعة الوظائف التي تقاوم الموت"، رأى العالم البيولوجي الفرنسي هنري أتلان أن "الحياة هي مجموعة الوظائف القادرة على استخدام الموت". فهل المقصود أن الأنواع الحية تستخدم الموت الطبيعي وتتوسّل به لتتخلّص من الأفراد الذين باتوا عاجزين عن الإنجاب؟ لكن ماذا عن غالبية الأفراد الآدميين الذين يرغبون في العيش أطول وأفضل، هؤلاء الذين يرفضون الموت، أكان طبيعياً أم عارضاً، بل يستميتون في سبيل البقاء على قيد الحياة؟ يقول أفلاطون ومن بعده بنحو ألفي عام الكاتب الفرنسي ميشال دي مونتاني إن فعل التفلسف يتيح للفلاسفة أن يتدرّبوا على الموت. فكيف بوسع الفلاسفة أن يستخدموا الموت ويتدرّبوا عليه؟ وماذا يعني أن يتدرّب المرء على الموت؟
يرى الكاتب والفيلسوف روجيه ـ بول دروا أن التدرّب على الموت قد يعني من جهة أولى اعتبار التفلسف وسيلة للتغلّب على القلق الملازم لترقّب الموت من خلال تناوله بالتفكّر، وهو الأمر الذي قد يساعد على تبديده، ويتيح بالتالي للفيلسوف أن يعيش أطول وأفضل. وعليه يبدو التفكّر في الموت سبيلاً الى الحياة الهانئة الرغيدة. وقد يعني من جهة ثانية اعتبار التفلسف مدخلاً الى التقشّف والزهد وحتى دعوة الى التشكّك. لكن الكاتب يلاحظ أن هذا المعنى يفيد الحياة أيضاً، ألا وهي الحياة بحسب الروح أو بحسب العقل، وليس بحسب الجسد وبالنظر دوماً الى البهجة التي يعدنا بها. الواقع أن المعنى الأول يرسم ملامح "الحكماء"، هؤلاء الذين فازوا بـ"صداقة الحكمة"، وهي الحكمة التي تطلعوا اليها وعشقوها طوال حياتهم، فيما يحيلنا المعنى الثاني الى "أولياء الله"، الى "الأبرار القديسين"، هؤلاء الذين "يرقدون بجوار الرب"، كما ينشد المؤمنون. أما بخصوص العلاقة بالجسد، فالمقصود أن نعيش فيه وله، وليس له. فننأى عنه حين يلزم.
على صعيد آخر، اعتبر عالم الجينات أكسيل انه كما كان للكون بداية في ما عرف بـ"الانفجار الكبير"، فسيكون له ولا بد نهاية في ما اصطلح على تسميته بـ"الانهيار الكبير" حيث تكون الشمس قد خبا نورها: ثم استنفدت طاقتها وانطفأت، وأن الانواع الحية كانت ولما تزل وراء ازدياد القصور الحراري للنظام الشمسي، وأن عمر الكائن الحي ارتبط بمدى تمايزه عن الذين انجبوه، في الفترة التي سبقت ما عرف بالتناسل الجنسي، وأن "الاصطفاء الطبيعي" آثر التناسل، تناسل الأنواع الحية في سبيل استمرارها وارتقائها، على بقاء الأفراد عينهم على قيد الحياة وذلك الى ما لا نهاية، وأن انقطاع الطمث عند المرأة ربما كان في الماضي السحيق، يودي بها، وأن الرغبة الجنسية تقوى بالقدر الذي نقترب فيه من الموت، كما لو أن هذه الرغبة تبقينا في دائرة الحياة وثقينا شر الفناء.. وقد ورد الكلام عند شارلز داروين على "الصراع من أجل التناسل"، بدليل "إيثار ذكر الرعوفه مثلاً (أو ما يعرف عندنا بـ"حصان إبليس"، الجماع بالأنثى من النوع عينه على البقاء على قيد الحياة!
أما الموجود الانساني فقد أدرك موت الآخرين بالبصر في الوقت الذي استبق فيه موته بالبصيرة واعتبره في الحالتين ضرباً من العنف الطبيعي يمارسه النوع على الفرد بحيث غدا الموت شكلاً من أشكال الحياة. وهذا يعني أن الموجود الانساني صار الموت الذي سار نحوه واليه فهل يبقى الموت ويستمر قدر كل حي؟
[ الكتاب: الفيلسوف وعالم الجينات، هل يتاح لنا دوماً العيش أطول وأفضل؟
[ الكاتب: روجيه بول دروا واكسيل كاهن
[ الناشر: منشورات بايار، باريس 2008 (بالفرنسية)
"المستقبل"




















