يكفي أن أقفز إلى سن السادسة عشرة حين غادرت المدرسة بعد أن تزودت بالمؤونة الكافية من تعليم وخبرة. كنت حينها أميل إلى دراسة آداب اللغة العربية وأتوسع في الحصول على أكبر قسط من فنونها لا سيما الشعر فجيء لي بمدرس خاص اسمه الشيخ بحر.
وكنت ألقي عليه بعض المحفوظات بصوت جهوري ونبرات تمثيلية. ومن هنا نشأت عندي هواية التمثيل. وكنت من وقت لآخر أقوم بتمثيل بعض الروايات على مسرح المدرسة قبل أن التحق بسلك موظفي البنك الزراعي. وأشير هنا إلى أن أول رواية اشتركت في تمثيلها كانت «الملك يلهو» من ترجمة الأستاذ أحمد كمال رياض بك. ولم أكن في هذا الوقت أميل إلى الكوميديا، بل كانت هوايتي منصبة على الدراما فقط».
ويقول الريحاني في خاتمة المذكرات تحت عنوان «نتيجة»: «والآن يا قارئي العزيز أقف لحظة قبل أن أضع القلم من يدي لأتذكر وإياك أنني قصرت ما نشرت على حياتي العملية ولم أمس الحياة الخاصة إلا مساً خفيفاً. وها أنا، بعد أن تذوقت حلو الحياة ومرها حتى الثمالة أقر وأعترف أنا الواضع اسمي بخطي أدناه، نجيب الريحاني، أنني خرجت من جميع التجارب التي مرت بي بصديق واحد هو عملي!!. وكثيراً ما أتذكر مع الأخ الصديق بديع خيري وأعترف وإياه بأننا كوفئنا حق المكافأة. إذ اكتسبنا جمهوراً يقدرنا ويقدر عملنا».
أما صديق الريحاني ورفيق دربه بديع خيري فيعدد في قراءته لسيرة حياة الريحاني الفنية بعض الصور التي تختصر هذه السيرة، فيقول: «الصورة الأولى للريحاني هي أنه لم يكن مجرد ممثل يكسب عيشه من مهنة التمثيل، بل كان فيلسوفاً وفناناً أصيلاً عاش لفنه فقط ولقي الاضطهاد والحرمان بسبب تمسكه بمثله العليا».
ويتابع خيري مشيراً إلى أن الريحاني «كان يمكن له أن يكون موظفاً ناجحاً لكن حب التمثيل كان يجري في دمه، فكان ينفق ما يكسبه من الوظيفة في إشباع هوايته. وكان رأيه أن الممثل الأصيل هو الذي يظل طوال حياته يسعى إلى الكمال المطلق دون أن يراه أو يصل إليه. وبلغ به حبه للمسرح أنه لم يلتزم بنصيحة الأطباء بالراحة ستة أشهر حرصاً على حياته. إذ قال إنه خير له أن يموت على خشبة المسرح على أن يموت على فراشه».
والصورة الثانية للريحاني، في نظر رفيق دربه، هي صورة الوطني الثائر الذي جعل المسرح منبراً للوطنية. ويلفت خيري إلى أن الريحاني «عالج السياسة بالفكاهة وفتح عيون الجماهير على سوء حالها وهاجم الإنكليز وأعوانهم في مسرحياته وتهكم عليهم. فلقي من اضطهاد الاستعمار الشيء الكثير. فمهد بفنه للثورة الحديثة في مصر».
ولد نجيب الياس الريحاني في العاصمة المصرية القاهرة العام 1892 من أب عراقي وأم مصرية قبطية. وأمضى طفولته في حي باب الشعرية الذي كان مقر الطبقة المتوسطة في ذلك الزمن. وكان أبوه يمتلك مصنعاً للجبس يدر عليه ربحاً وفيراً. التحق نجيب في صغره بمدرسة «الفرير» حيث تلقى تعليمه بالفرنسية حيث تميز بهدوئه وبميله إلى العزلة.
وظهرت منذ البدايات ميوله الأدبية. تابع الريحاني دراسته إلى أن حصل على الشهادة الثانوية قبل أن يبلغ السادسة عشرة فالتحق بالعمل في البنك الزراعي وهناك تعرف على عزيز عيد، وهو مخرج سوري شاب فجمعت بينهما صداقة متينة وتمكنا من الحصول على وظيفة كومبارس في دار الأوبرا.
وفي العام 1907 قرر عيد تكوين فرقة خاصة به وكان من الطبيعي أن ينضم إليه الريحاني. كان عيد شغوفاً بالكوميديا أكثر منه بالميلودراما. وحاول من خلال فرقته ترقية الكوميديا المصرية المحلية إلى مستوى يتجاوز وظيفة الإضحاك البسيط لتصل إلى مستوى الفن الراقي، فحرص على إطلاع الجمهور على موضوعات الحياة المعاصرة التي كان المسرح الفرنسي أحد أرقى نماذجها.
كان الريحاني، في بداياته متأثراً بالرأي القائل إن الدراما هي وحدها الجديرة بالمشاهدة. فانفصل عن صديقه قبل أن يعرض عليه الممثل السوري أمين عطا لله الذي كان تعرف عليه في فرقة عيد العمل في فرقة أخيه سليم بالإسكندرية وأسند إليه دور شارلمان. ونجح الريحاني نجاحاً باهراً في دوره الثانوي هذا ما أثار حسد مدير الفرقة سليم عطا لله ففصله من الفرقة. فعاد إلى المقهى الذي كان اختاره ملجأً له في فترات الصعوبات والبطالة القسرية.
ويذكر الريحاني أنه مثل ذات مرة في فرقة الشيخ أحمد الشامي وهي فرقة جوالة مشهورة تحت ظروف عمل شاقة. إذ قدمت الفرقة عروضها على ألواح خشبية مرصوصة فوق براميل فيما كان الريحاني ينام على الأرض ويتقاضى أجره لبناً وبيضاً متقبلاً الأمر بروح مرحة.
وما لبث أن لحق به عزيز عيد الذي كان هو الآخر ترك فرقة جورج أبيض مع صديقته اللبنانية روز اليوسف ثم انضم إليهما بعض الممثلين المفلسين. وذات يوم قدم لهم أحد رواد المقهى ذاته من الأثرياء مبلغ عشرة جنيهات للاستعانة بها في تشكيل فرقتهم.
فأسسوا بهذا المبلغ فرقة «الكوميديا العربية» التي استهلت نشاطاتها بعرض مسرحيات مترجمة من بينها مسرحية «خللي بالك من إميلي» التي هاجمها النقاد لإباحيتها حيث كان عنوان إحداها «يا ستي ما تمشيش كده عريانة» فخشي البعض، بوحي من العنوان، أن تظهر ممثلة عارية على المسرح. وعلى الرغم من فشلهم في هذه الفرقة فإنها كانت بنظر الكثيرين علامة بارزة في تاريخ الكوميديا المصرية إذ كان إخراج المسرحية مطابقاً لأسلوب الإخراج الفرنسي. واضطر الريحاني بعدها إلى ترك الفرقة العام 1916 لتبدأ المرحلة الثانية من سيرته الفنية ويبتكر في ما يعرف باسم كوميديا «الفرانكو-آراب».
كما ابتكر شخصيته المشهورة «كشكش بك» عمدة القرية العجوز والشهواني. ولكن المحبوب لطيبته وسذاجته ومرحه وحبه للحياة. وبرزت في شخصية «كشكش بك» براءة الريفيين وطرافتهم الفطرية خاصةً مع اندماجها بشخصية «أم شولح» والدة زوجته سليطة اللسان التي تثير له المتاعب.
ومن بين الشخصيات المحبوبة الأخرى خادم يدعى «زعرب» يشغل منصب خفير القرية و«شولح» شقيق زوجة العمدة وهو صبي ساذج. أما «قواد» وهو غالباً ما يكون يوناني الأصل فتنحصر شخصيته ومهمته في إحضار الحسناوات ل«كشكش بك» لكنه يحتال عليه ويسلبه أمواله فضلاً عن شخصيات أخرى كالمرأة الأوروبية التي تغري «كشكش» بفتنتها.
وفي العام 1916 قدم الريحاني أربع مسرحيات جديدة راعى في تأليفها تقليد الفارس الفرنسي وهي «خليك ثقيل» و«هزي يا وز» و«إديلو جامد» و«بلاش أونطة». ووصفت تلك المسرحيات أنها ذات فصل واحد وتحوي كوميديا مبتذلة نوعاً ما. في هذه الفترة، اتجه الريحاني إلى تقديم استعراضات فنية رفيعة وطلب من أمين صدقي كتابة استعراض «حمار وحلاوة» التي دام عرضها فترة طويلة وحققت نجاحاً كبيراً.
وعلى إثرها، طلب صدقي من الريحاني أن يعطيه نسبة من الأرباح فرفض فاستقال الأخير ليستعين الريحاني بشاعر ومدرس شاب يدعى بديع خيري الذي أصبح صاحب الفضل في نجاح استعراضات الريحاني بأزجاله التي تأسر الأسماع برنينها الوطني.
ومع بداية العام 1920 خمدت الاضطرابات السياسية التي كانت تغذي الاستعراضات فتحول الريحاني إلى مجموعة من «الأوبريت» التي تعتمد على روايات «ألف ليلة وليلة» وتخلى عن شخصية «كشكش بك» وعن كوميديا «الفرنكو-آراب». واستعان المسرحي المصري اللامع بشخصيات من نماذج شعبية مثل صانع الأحذية ومصمم الملابس والموسيقار في وقتٍ تحول فيه جمهور المسرح إلى لطبقة المتوسطة الصاعدة من موظفين وطلبة ومهندسين ومثقفين.
وفي العام ذاته، قدم الريحاني باكورة إنتاجه للمرحلة الجديدة مسرحية «العشرة الطيبة» وعهد إلى خيري بكتابة أزجالها وإلى سيد درويش بتلحينها من دون نجاح ما ترك أسوأ الأثر في نفسه. فطفق إلى سوريا حيث عرض مسرحيات «كشكش بك» القديمة ليفشل مادياً ومعنوياً مجدداً سوى لقائه بديعة مصابني واتخذها خليلة له. ولكنها كانت أنانية تحب نفسها ولا تهتم إلا بأمورها ما أفضى إلى فراقهما.
عاش الريحاني بين عامي 1926 و1931 فترة مضطربة من المتاعب المادية والأزمات العاطفية بعدما قرر هجر الكوميديا والاتجاه إلى الميلودراما من جديد مستغلاً افتتاح يوسف وهبي هذا الخط المسرحي العام 1923. كان الحديث عن وهبي يثير الريحاني، إذ كان يعتقد أنه قادر على تمثيل الأدوار الدرامية بإتقان يوازي وهبي أو يفوقه. ولما علم باختلاف وهبي مع أعضاء فرقته وانسحابهم منها اغتنم الفرصة وتعاقد معهم ورفع أجورهم ثم افتتح مسرحاً له العام 1926 وجهزه تجهيزاً حديثاً وسماه «مسرح الريحاني»، وكانت «المتمردة» من افتتح بها عهد مسرحه الجديد.
وبرغم التعليقات السلبية التي سمعها من النقاد قدم مسرحيتين أخريين كان الجمهور يسخر خلالهما منه علناً أثناء العرض فأخذ الريحاني يبكي في حجرة الملابس، وخرج من تلك التجربة مفلساً واضطر لاقتراض مبالغ كبيرة للإنفاق على مسرحيات جديدة. وفي أواخر العشرينات تقهقر النشاط المسرحي وانتقلت حماسة الجمهور إلى لأفلام الصامتة فارتأى الريحاني أن يعود إلى الكوميديا واستعادة شخصية «كشكش بك» بعد أن حلّ فرقته وألف فرقة جديدة بمشاركة عدد من ألمع الممثلين.
وفي الأول من شهر فبراير من العام 1927 افتتحت الفرقة موسمها باستعراض بعنوان «ليلة جنان»، ثم «مملكة الحب»، و«الحظوظ» لاقت نجاحاً لا بأس به. توفي الريحاني العام 1949 بعد إصابته بمرض «التيفوئيد»، وكان لنبأ وفاته وقع أليم في كل أنحاء البلاد فأمرت الحكومة بإطلاق اسمه على أحد الشوارع. وبعد ثلاثة أعوام خصصت جائزة باسمه لأحسن طالب في معهد الفنون المسرحية. واليوم، وبعد مرور ستة عقود على وفاته، لا يزال اسم الريحاني يشع بين من ارتبط تاريخهم بالمسرح الحديث في مصر.
"البيان"




















