في الأعراف الدستورية أن حكومات تصريف الأعمال تتولى الشؤون اليومية العادية، تلافياً لفراغ السلطة وذلك بانتظار تأليف الحكومة الاصيلة التي لها وحدها التصدي لخطير الأمور والقضايا الجوهرية. والحكومة الاسرائيلية الحالية، حكومة تصريف أعمال، فرئيسها يستدعى بصورة دورية للتحقيق لدى الشرطة بتهمة الرشوة، ووزير دفاعها ذو السجل الحافل بالاغتيالات والعمليات الخاصة يعاني من حالة الضمور المريع التي تنتاب حزبه المؤسس (حزب العمل)، وشقراء الخارجية تسعى للتشبه بسابقتها غولدا مئير بكل دمامتها، وتتعايش مع رئيس الحكومة على قلق ومضض في انتظار أن يخلى لها المكان حتى تحتل الواجهة، فيما ينتظرهم من خارجها بنيامين نتنياهو مشهراً في وجه الجميع أحط الشعارات العنصرية وأبشع البرامج السياسية التي تبدأ بالترحيل ولا تنتهي بتعقيم الدولة من فلسطينييها.
وبناء على هذا ووفقاً لاعراف الدولة الاسرائيلية، ولدستورها، فان ما يقوم به الثلاثي المشار اليه بتشجيع من رابعهم، لا يعتبر تجاوزاً لصلاحيات الحكومة الانتقالية، لأن ابادة الشعب الفلسطيني هي من تصريف الأعمال العادية التي تمارسها السلطات الاسرائيلية منذ بن غوريون وحتى يومنا؛ ولعل اللافت في الأمر، أن مشهد الأطفال الذين تدمرهم الطائرات بعائلاتهم وبيوتهم، كان مصحوباً بمشهد اجتماع لجنة الدفاع في الكنيست حيث كان باراك يتباهى بـ"بطولاته" فيما وقف نتنياهو يشرب القهوة مستحسناً "تصريف الأعمال" متلذذاً بالدماء المتدفقة من غير أن يأبه أين سيجري "تصريفها "
وإلى أي مصب من الضمير أو التاريخ سيكون مآلها.
وفي المقابل، استغل جورج بوش ما تبقى من أيامه لكي يتم على العرب "نعمته" فيعلن من البيت الأبيض تعاطفه الشديد مع اسرائيل "المعتدى عليها" ويمنع مجلس الأمن من كتابة أسطر تستنكر الجريمة المستمرة وتدعو لايقافها لانه يخشى على العواطف الاسرائيلية أن تخدشها حروف تلك الأسطر. إن توقيت العدوان يدل على أن القادة الاسرائيليين يسعون الى إسترضاء الناخبين بالمبالغة في التنكيل بالشعب الفلسطيني وهذا يدل على أن المجتمع الاسرائيلي في غالبيته الساحقة قد أصبح خالياً من الانسانية، مشحوناً بالكراهية والصلف خاصة أن المنظمات والاحزاب اليهودية التي كانت تدعو الى السلام والتفاهم قد أخلت مطارحها لأشد أنواع التطرف والعنصرية. ويدل أيضاً على ان المركز الاساس الذي تصب عليه الصهيونية حقدها، هو أطفال العرب، لاسيما أطفال فلسطين، والا فما تفسير ذلك التعمد مع سبق الاصرار والترصد للملاحقات الجوية لمراكز تجمعهم، لو لم يكن الخطر، كل الخطر متركزاً في خصوبة شعبنا، بعد أن بدأت الصهيونية تتحسس فداحة قحلها وعقمها في مواجهة أرضنا الولود؟
إن هذه الخواطر التي أوردتها، أردت منها التنبه الى أنه اذا كان سفك دمائنا من قبيل "تصريف الأعمال" التي تستطيع أن تقوم بها حكومة شبه مستقيلة ومفككة وانتقالية وعلى أبواب انتخابات جديدة، فان حقن هذه الدماء وصيانة أرواح أبنائنا، والتصدي لشراسة العدوان، أمور تعتبر من "جوهر الأعمال" التي تقتضي توحيد الصف الفلسطيني، تحت راية العروبة، وتوحيد الصف العربي تحت راية فلسطين. وإنني لأجدها مناسبة لأشير الى أن العدوان المتوحش قد استطاع أن يوحد الكلام السياسي اللبناني فلا تجد فيه نشازاً ولا نغمةً نابية، فكلنا يعلم ان الشراسة الاسرائلية التي لم تفرق بين مقاتل وطفل رضيع لن تميز بين لبناني وآخر أو بين منطقة ومنطقة وطائفة وطائفة، فلقد أعلنوا ذلك بملء الفم، ونحن مارسنا قبلاً بملء الفعل تضامناً في وجه غزوة تموز فأفشلنا هدفها، قبل أن تتسلل جرثومة التنابذ الى خلايانا وقلوبنا وتلافيف أدمغتنا.
هنا لا مجال للمفاضلة في استنكار ما يجري، بين مجالس عاشوراء الملتهبة وبين الحزن العميق في طرابلس مثلاً، فليست وسائل التعبير هي مناط القضية، بل عمق الشعور الموحد، وسطوع الوعي الذي أدرك أن عدونا الذي جعل من قبور أبنائنا صناديق اقتراع، لن يفلح بأن يجعل من صناديق اقتراعنا قبوراً لنا.
(نقيب محامي الشمال سابقاً)




















