بالأمس.. بدأ السودانيون الجنوبيون الأدلاء بأصواتهم فى استفتاء تاريخى، يتحدد على ضوء نتائجه مصير الإقليم وفق ما نص عليه اتفاق نيفاشا الموقع بين الخرطوم وحركة تحرير السودان الجنوبية عام 2005؛ منهيا أطول حروب القارة الإفريقية التى استمرت 22 عاما، وأدت إلى سقوط مليوني قتيل، الاستفتاء يستمر حتى السبت المقبل؛ ومما لاشك فيه ان هذا الاستفتاء يضع السودان كله شمالا وجنوبا فى مفترق طرق خطير وحساس؛ وأيا كانت النتائج التى سيفضى اليها الاستبيان سواء بالانفصال او البقاء تحت راية السودان الموحد؛ فإننا نأمل ان يمر هذا الاستبيان بسلام؛ بعيدا
عن اية تجاوزات من هنا اوهناك تعكر صفو تجربة الاختيار وتحديد المصير وتشوه درس الديمقراطية التى يخط سطوره على مدى هذا الاسبوع اهلنا فى السودان الشقيق؛ وتقديرا للتحديات التي تواجهه في هذه المرحلة بالغة الدقة من تاريخه الحديث؛ فالثابت ان السودان كبقية الاسرة العربية مستهدف من القوى المعادية التى طالما روجت لفكرة التقسيم والانفصال؛ ضمن مخطط لتفتيت العالم العربى وتقسيمه الى “دويلات”.
اما على اساس طائفى او عرقى، ورغم ذلك فاننا على يقين ان الاخوة فى السودان شمالا وجنوبا سيتقبلون نتيجة الاستفتاء ايا كانت توجهاتها وتبعاتها احتراما لرغبات وإرادات الجنوبيين وللتجربة الديمقراطية؛ واذا كانت النتيجة ببقاء السودان موحدا وهو ما نتطلع اليه ونأمله؛ فانها باعتقادنا ستكون صفعة قوية من اهل السودان فى وجه اعداء الامة الساعين الى تدشين مخطط تفتيتها الجهنمى من “محطة السودان” للانتقال بعدها الى دول الجوار وبقية الاسرة العربية التى تغذى فيها النعرات الطائفية وتنثر بذور الفتنة بين ابناء الوطن الواحد للنيل منه وتحقيق مخططاتهم الشيطانية. اما اذا كانت النتيجة لصالح الانفصال — لا قدرالله — فاننا على يقين ايضا ان الطرفين فى السودان يقدران ضرورة البقاء على علاقات الدم المتينة التى يتضفر بها النسيج الوطنى السودانى بكافة اعراقه؛ ويتدفق بين ابنائه تماما كجريان نهر النيل الذى لا يفرق في خيراته بين جنوبى او سوداني.
اننا نتطلع بكل جوارحنا الا ينسف هذا الانفصال — ان وقع — روابط الاخوة؛ ولا يدمر جسورا تمتد لآلاف السنين بين ابناء السودان الشقيق، ولعله من الضرورى هنا ايضا التأكيد على ضرورة التعجيل بحل باقى القضايا العالقة بين الطرفين، خاصة تلك المتعلقة بالحدود المتداخلة بين الشمال والجنوب حتى لا تتحول الى قنبلة قابلة للانفجار فى اى وقت وملف منطقة (ابيى) الذى يجب الا تتحول الى (كشمير) جديدة فى السودان تفجر الصراع من جديد وتنسف معها كل جهود السنوات الست الماضية ويعود السودان من جديد الى دائرة “الدم والخراب” لا نريد سودانا فوق برميل بارود؛ ولكننا نريده سودانا قويا ينعم بالامن والاستقرار يعزز قوة العرب ويحقق لهم “حلم سلة الغذاء العربى” الذى نتطلع اليه منذ عقود.




















