لم يبالغ بعض كبار المسؤولين في حزب الليكود الإسرائيلي الحاكم حين رأوا أن وزير الخارجية ورئيس حزب “إسرائيل بيتنا” اليميني المتطرف أفيغدور ليبرمان أصبح “رئيس الحكومة الفعلي” في إسرائيل في إثر قيام وزير الدفاع إيهود باراك بالانشقاق عن حزب العمل وإقامة كتلة مستقلة من خمسة أعضاء في الكنيست، وما تلا ذلك من انسحاب حزب العمل ببقية أعضائه من الحكومة والائتلاف. فحتى يوم حدوث هذا كله كان الائتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو يضم 74 من مجموع 120 عضو كنيست، وعقب استقالة حزب العمل (الذي بقي مع 8 أعضاء كنيست بعد انشقاق باراك ومؤيديه) فإن هذا الائتلاف أصبح يضم 66 عضو كنيست، بمن فيهم 5 أعضاء من كتلة “استقلال” التي أعلن باراك تأسيسها. بناء على ذلك فإن قوة حزب “إسرائيل بيتنا” (15 عضو كنيست) باتت أكثر أهمية لسلامة هذا الائتلاف، حيث أنه في حال انسحابه فإن ذلك سيعني سقوط الحكومة اليمينية.
ونوهت صحيفة “يديعوت أحرونوت” بأن أحد كبار المسؤولين في الليكود كان أشد صراحة من غيره حين قال: “إن ليبرمان يمكنه أن يسقط الحكومة متى يشاء، وإذا كان الثنائي نتنياهو- باراك حتى الآن هو صاحب القرار الأول في الحكومة، فإن ليبرمان يمكنه من هذه اللحظة المطالبة بأن يصبح شريكاً كاملاً في عملية اتخاذ القرارات السياسية”.
لعل الأهم من هذه الأرقام، التي لا يجوز الاستخفاف بها، كامن في الدلالة السياسية التي ستترتب على تحوّل ليبرمان إلى الزعيم السياسي الأكثر نفوذاً في الحكومة الإسرائيلية الحالية اليمينية أصلاً، وخصوصاً في ما يرتبط بالهجمة التي يؤججها في الآونة الأخيرة على عرب 48 وعلى الحريات الديموقراطية عامة، والتي انعكست أكثر ما انعكست في مبادرته في الكنيست إلى إقامة لجنة تحقيق “لتقصي نشاطات المنظمات الإسرائيلية الضالعة في جمع المعلومات حول الجنود ومتابعة مصادرها المالية”. وقد وسّع ليبرمان دائرة البيكار في هجومه ليشمل مسؤولين كباراً في الليكود اتهمهم بمنع تكريس سلطة معسكر اليمين في إسرائيل، ومع أنه لم يذكر أي مسؤول منهم بالاسم، إلا إنه كان يقصد بهجومه كلا من رئيس الكنيست رؤوبين ريفلين والوزراء ميخائيل إيتان وبني بيغن ودان مريدور، وذلك بسبب معارضتهم إقامة لجنة التحقيق مع منظمات حقوق الإنسان. ووفقاً لما قاله فإنه بسبب هؤلاء الأشخاص لا تتمكن حكومة نتنياهو مع “إسرائيل بيتنا” من تطبيق برنامج اليمين وأيديولوجيته.
ردّ منظمات حقوق الإنسان على هجوم ليبرمان اكتفى بتأكيد أن وزير الخارجية يثبت مرة تلو الأخرى أنه لا يفهم كيف يعمل المجتمع المدني في دولة ديموقراطية، وهو أمر لا يعيب ليبرمان الذي قرّر أن يبني مجده على المجاهرة بأن الديموقراطية التي تروق له هي الديموقراطية الانتقائية ذات النزعة الإثنية المركزية.
وهنا لا بُدّ من الانتباه إلى أمرين:
أولاً، على الرغم من أن ليبرمان ما زال يستمد قوته الأساس من المواقف والتقاليد السياسية التي تسم الجمهور الروسي، فإنه لا يمكن فهم نشاطه العام والسياسي بمعزل عن الجهود التي يبذلها بهدف تمييز نفسه عن أحزاب وزعماء اليمين الآخرين، والتي تكمل جهوداً ومساعي أخرى لموضعة نفسه كـ “سياسي من طراز مختلف تماما”، وهو ما يشكل مصدر قوته ونجاحه الانتخابي.
ثانياً، إن ليبرمان يستند إلى قاعدة شعبية في أوساط الجمهور الإسرائيلي تزداد باستمرار، وهذه القاعدة تميل إلى وصف الديموقراطية الإسرائيلية القائمة بـ “الضعيفة” و”غير الناجعة”، وترى أن الحل الأفضل هو حكم مركزي أكثر. وفي آخر استطلاع لمؤشر الديموقراطية الإسرائيلية أعلن أكثر من نصف الجمهور الإسرائيلي (55 في المئة) أنه يؤيد الطرح القائل بأن “الوضع العام لإسرائيل كان يمكن أن يكون أفضل كثيرا لو كانت هناك مراعاة أقل لقواعد الديموقراطية”. وهو ما يتسق مع ما يفكر فيه ليبرمان، كما أنه قد يحيل إلى ما يمكن أن يسعى نحوه بعد أن أصبح الأكثر نفوذاً في الحلبة السياسية الحكومية والشعبية.
“النهار”




















