حادثتان تم تسجيلهما في منتصف شهر كانون الأول/ ديسمبر من عام 2008، أثارتا الانتباه والتعليقات العالمية، وأثارتا أيضاً استنكار بعض الجهات إزاء ما أقدمت عليه السلطات الإسرائيلية تجاه ممثلين ومندوبين للأمم المتحدة.
الأولى: طرد ممثل الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بعد احتجازه في مطار اللد ـ بن غوريون ـ لمدة ثلاثين ساعة، ومنعه من ممارسة مهامه في متابعة الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في غزة والضفة.
هذا والمعروف أن المندوب الأممي المشار إليه هو البروفوسور ريتشارد فولك، الأستاذ الجامعي المرموق في الولايات المتحدة الأميركية، اليهودي الديانة، الأميركي الجنسية. مع ذلك فقد تم اتهامه بالانحياز الى الفلسطينيين، نظراً الى تصريحاته التي اعتبر فيها أن الممارسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في غزة توازي جريمة ضد الإنسانية، ودعا الأمم المتحدة الى تحرك عاجل، لتطبيق المعيار المتفق عليه في شأن مسؤولية حماية السكان المدنيين الذين يتعرضون لعقاب جماعي.
الثانية: حسب ما جاء في أجهزة إعلام عدة أن أزمة نشبت بين رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة النيكاراغوي ميغل ديسكوتو بروكمان، ومندوبة إسرائيل لدى المنظمة الدولية غابريلا شاليف، بعد إصداره بياناً نفى فيه بشدة ما ذكرته صحف إسرائيلية، من أنه حاول منع الأخيرة من إلقاء خطاب لمناسبة الذكرى الستين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقد تلقى رئيس الجمعية حسب ما ذكرت مصادره تهديدات كثيرة تتعلق بحياته من مواقع على الإنترنت مؤيدة لإسرائيل.
كما وبادرت ممثلة إسرائيل في الأمم المتحدة الى الامتناع عن اللقاء برئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة النيكاراغوي الذي كان من قيادات حركة ساندينيستا الحاكمة في نيكاراغوا في هذه الفترة وتعتبره إسرائيل مؤيداً للفلسطينيين.
فهل كل من قال كلمة حق حتى لو كان ممثلاً لأعلى الهيئات الدولية أو أميركياً ويهودياً في الوقت نفسه، ووقف الى جانب المظلومين، وندد بالممارسات الظالمة، والعقاب الجماعي للناس، يعتبر معادياً لإسرائيل ويجب التنديد به وتهديد حياته؟!
ولماذا تتصرف دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة كإسرائيل مثل تلك التصرفات المشار إليها، وألا تخشى من محاسبة أو عقاب أو اتخاذ إجراءات معينة ضد تصرفاتها بحق الناس أولاً وبحق ممثلي الأمم المتحدة الذين يجرأون على قول الحقيقة، كما وجدوها مطبقة على أرض واقع الناس؟
لا حاجة بنا الى التذكير بعشرات القرارات الأممية المهمة التي صدرت عن المنظمات الدولية بما فيها محكمة العدل في لاهاي. والتي طالبت إسرائيل الالتزام بحذافير نصوص تلك القرارات، كالقرار 181 الذي نص على تقسيم فلسطين في عام 1947، والقرار 194 الذي نص على إعادة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم والتعويض عليهم في عام 1948، والقرار 242 المتعلق بإعادة الأراضي المحتلة في عام 1967 الى أصحابها، وغيرها عشرات القرارات الأخرى التي اعتبرتها إسرائيل كأنها لم تصدر، ولا تلزمها ولا تعنيها بشيء، وتجاهلت صدورها، واستمرت في احتلالها، وفي ممارساتها الجائرة ضد الفلسطينيين وغيرهم من عرب آخرين أرضاً وسكاناً. وهذا يعود الى الحماية التي وفرها الاعتراض ـ الفيتو ـ الذي مارسته الولايات المتحدة الأميركية منذ إنشاء إسرائيل في عام 1948 وحتى يومنا هذا ضد أي قرار يدين إسرائيل، أو يطالبها بالالتزام بما لا تريده. ومع أن قرارات كانت تصدر ولا يتم تعطيلها من قبل الراعي الأميركي، مع ذلك فإن إسرائيل اعتبرتها كأنها لم تصدر، وبقيت حبراً على ورق أيضاً.
بلطجة
هناك مجموعة من الأسباب والحيثيات توفر قواعد لسلوكيات التمرد وعدم الانصياع و"البلطجة" الإسرائيلية من بينها:
1 ـ عدم استعمال العرب قوتهم ووحدتهم وإمكاناتهم وقدراتهم، في التأثير والإلزام بما هو حق وعدل، في علاقاتهم مع القوى العالمية إلا في حدود ضيّقة وغير حاسمة.
2 ـ وصول العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول غربية الى مستوى من التحالف الاستراتيجي، توفر حماية دائمة لإسرائيل، حتى لو كانت ظالمة ومتمردة على قرارات الشرعية الدولية.
3 ـ بناء إسرائيل قوة عسكرية تعادل فيها بل وتتفوق على القدرات العربية منفردة أو حتى مجتمعة، وما إمتلاك إسرائيل للسلاح النووي منذ عشرات السنين إلا من نوع التتويج لهذا التفوق الرادع.
لذا فإنها تتمرد وتعارض وتحاسب وتقاطع ولا تلتزم بالقرارت الدولية، وهي مطمئنة الى أنها قادرة على التعامل مع أي تهديد أو محاسبة، اعتماداً على قواها الذاتية، وعلى قوى الحلفاء الذين قلما خذلوها، أو لم يستجيبوا الى مطالبها ومتطلباتها إلا في أندر أندر الحالات!
إذا ما كان الأمر على الصعيد الموضوعي هو كما صورنا ونصور، كذلك هو الأمر على الصعيد الذاتي.
لكن في هذا الأخير، أي الصعيد الذاتي، هناك ما هو مضمر وغير معلن في تركيبة الذات الإسرائيلية وفي دواخلها الفردية والجماعية. وهو ما أطلقت عليه بعض الصحافة والكتابات الموضوعية ما يمكن أن يسمى "لتشوزباه" أي الاستعلاء والتشاوف والوصول الى حالة من حالات "البارانويا" التعظيمية للذات المستندة والمنطلقة من بعض النصوص التوراتية التي تنص على أن اليهود هم شعب الله المختار، وغيرها من نصوص تعظيمية تصل الى التشاوف على "الأغيار" واعتبارهم من درجة أدنى وأقل إذا ما قورنوا باليهود. كما أن القاعدة النفسية النقيضة والتي تفيد أن من وقع عليه الاضطهاد يمكن أن يلجأ الى التعالي والتشاوف وتعظيم الذات في محاولة تعويضية لما حاق به من اضطهاد وتجريح للكرامة الجماعية ـ علينا تذكر المجازر التي أنزلتها بعض المجتمعات الأوروبية بيهودها، خصوصاً منها المجازر النازية.
كما أن هذه الذات في الكيان الإسرائيلي، تغذت في النتائج بحالات انتصارية أو شبه انتصارية فاقت ربما ـ حتى خيال من خطط لها ورسم "سيناريواتها في حروب وأعوام 1948، 1956 و1967 وجزئياً في عام 1973، وغزو لبنان في عام 1982… وغيرها وغيرها.
لذا فإن الحادثتين المشار إليهما أعلاه مع ممثلي الأمم المتحدة، ما هما إلا تحصيل حاصل، ونتيجة لممارسات سابقة، وما اغتيال الوسيط الدولي الكونت برنادوت في فلسطين من قبل الصهاينة وعند بدايات إنشاء الكيان الصهيوني إلا عينة من تلك الممارسات!
() كاتب فلسطيني
"المستقبل"




















