انتهت هذا الاسبوع أول جولة يقوم بها مبعوث الرئيس الأميركي الجديد الى الشرق الأوسط، السينارتو السابق جورج ميتشل.
وعلى رغم التحديات السياسية والأمنية التي توقع ان تعرقل مهمته، فقد وافق ميتشل على تطوير دوره من شريك في لجنة تقصي الحقائق سنة 2000 الى مبعوث خاص يعكس رأي الرئيس مثلما كان دوره في ايرلندا الشمالية سنة 1996.
وعندما شككت اسرائيل في حدود المسؤوليات المعطاة له، أعلن أوباما انه يمحض ميتشل ثقته الكاملة ويعتبره متحدثاً باسمه. ووصفه في حضور وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، بأنه مذلل العقبات، على اعتبار ان استقامته في العمل وحياده بين المتحاورين دفعاه الى تحقيق هدف عجز عنه الكثيرون.
في مواجهة الاعتراضات التي صدرت عن جهات اسلامية وعربية بسبب تعيين رام عمانوئيل ومارتن انديك ودنيس روس، في مواقع مؤثرة، قال أوباما إنه عين جورج ميتشل مبعوثاً للسلام الى الشرق الأوسط، وربما توقع من وراء هذا الخيار تطمين الجانب العربي الذي قرأ سابقاً في تقرير ميتشل وجهة نظر مختلفة عن كل ما جاء في تقارير المبعوثين الأميركيين. وهو تقرير انتقده رئيس وزراء اسرائيل في حينه ايهود باراك، لأنه طالب بضرورة وقف عمليات الاستيطان كمدخل للحوار والتفاوض. كما وصف زيارة ارييل شارون لباحة الحرم القدسي (28 ايلول/ سبتمبر 2000) بالاستفزازية لأنها فجرت حملة العنف وشجعت «الانتفاضة». ويتوقع المراقبون أن يبدأ المبعوث جورج ميتشل اقتراحاته بإحياء شروط تجميد عمليات الاستيطان والعمل على تثبيت وقف اطلاق النار. وقد عبّرت حكومة اولمرت عن امتعاضها من الأهمية التي أولاها أوباما لمشكلة الشرق الأوسط، كونه وصفها «بالمشكلة المحورية لأزمات المنطقة». وهذا التعريف يتناقض مع تصور الرئيس جورج بوش الذي رأى في أزمة الشرق الأوسط واحدة من الأزمات التي تعاني منها المنطقة مثل أزمة العراق وأزمة ايران وأزمة لبنان. بينما عارضه أوباما في حديثه الى قناة «العربية» وقال: «إن تركيز الجهود الدولية لحل أزمة الشرق الأوسط من شأنه أن يسهم تلقائياً في حل بقية أزمات المنطقة التي تعد أحد تداعياتها».
في آخر حديث لها قالت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس لصحيفة «فايننشال تايمز» انها: تتوقع ان يسير أوباما على خطى جورج بوش خصوصاً في القضايا الخارجية مثل الملف الايراني.
ورجحت في حديثها أن تواجه إدارة أوباما عراقيل سبق أن واجهتها إدارة بوش أثناء سعيها لحل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وأزمة ايران ومشكلة كوريا الشمالية. والسبب ان هجمات 11 أيلول (سبتمبر) أثرت على مسار سياسة اميركا الخارجية، في وقت شعر الرؤساء ريغان وكلينتون وبوش الأب، بأن انهيار الاتحاد السوفياتي سيحررهم من كل الضغوط العقائدية. وهكذا استغل الرئيس بوش الابن هجمات بن لادن ليتجاوز الأمم المتحدة وينتهك الحقوق الدولية ويعتقل ألوف المشكوك بولائهم. وقد ساعده على تعزيز هذه الحملة استقباله للمنشق السوفياتي اليهودي ناثان تشارانسكي الذي روى له قصة اعتقاله من غير وجه حق. ونصحه بضرورة العمل على تثبيت الاستقرار الدولي الذي تضمنه الأنظمة الديموقراطية فقط. ويبدو أن بوش أعجب بنظرية تشارانسكي بدليل أنه استعمل فكرته في خطبة افتتاح ولايته الثانية. لذلك شدد على القول إن غاية السياسة الأميركية قطع دابر الأنظمة الاستبدادية واستئصال شأفتها. وهكذا أعاد بوش إلى روحية السياسة الخارجية ايديولوجية الحرب الباردة، وإنما ضد العالم الإسلامي أو ما وصفه بـ «الإرهاب الإسلامي».
في إشارته إلى احترام دور الأمم المتحدة، لمح الرئيس أوباما إلى ضرورة تحرير سياسة أميركا الخارجية من القيود التي غللها بها جورج بوش. وكان بهذا التوصيف يسعى إلى إلغاء ذهنية الحرب الباردة، وإلى عدم مقارنة الاصولية الإسلامية بالشيوعية. وعندما تحدث عن إسلام والده «حسين»، رأى فيه عملية ثقافية لا يجوز مواجهتها كتهديد ايديولوجي. وهكذا أفرغ سياسة أميركا الخارجية من محتواها الايديولوجي المعقد. وبما أن النظام الدستوري الأميركي يضع السياسة الخارجية في عهدة الرئيس، فإن أوباما – لا هيلاري كلينتون – هو الذي يشرف على رسم هذه السياسة. لذلك حرص هو شخصياً على إعلان تعيينه جورج ميتشل وريتشارد هولبروك مبعوثين شخصيين للشرق الأوسط وأفغانستان – باكستان.
يقول المراقبون إن الرئيس الأميركي أوباما ينتظر نتائج الانتخابات في إسرائيل، كي يباشر في وضع الخطوط العريضة للدولتين اللتين تحدث عنهما في خطاب التنصيب. كما ينتظر مساعي مصر والجامعة العربية وتركيا من أجل إعادة وحدة الصف الفلسطيني، كمقدمة لتفعيل الحوار والتعاون بين «حماس» و «فتح»، لذلك سارعت «حماس» إلى إعلان رفض مرجعية منظمة التحرير، وطالبت بإنشاء منظمة أخرى قد لا يكون الحرس القديم في عداد قادتها. وهذا معناه اخراج عملية السلام عن خطها السابق، وإلغاء دور الرئيس محمود عباس والبحث في إمكان تحرير مروان البرغوثي كبديل لعباس. كما يعني أيضاً احتمال التشاور مع سورية كجهة مرشحة لتجديد اتفاق مكة.
في خطابه الأخير، وعد باراك أوباما بالتحرك الديبلوماسي السريع على جبهة الشرق الأوسط، مع التأكيد بأن المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية ستستأنف من حيث وصلت، لا من الصفر. وهذا يتطلب بالضرورة حصول جورج ميتشل على وعد من الإسرائيليين بتجميد بناء المستوطنات وفتح معابر غزة مقابل وعد بوقف الهجمات الصاروخية من قطاع غزة. ولكن هذا الإعلان يحتاج إلى مشاركة «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة منذ حزيران (يونيو) 2007. كما يحتاج إلى ضمانات مصرية كالتي حصلت عليها اللجنة الدولية لتقصي الحقائق في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2000. يومها استقبل الرئيس حسني مبارك رئيس اللجنة جورج ميتشل وأعضاء لجنته المؤلفة من: الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل وخافير سولانا مسؤول الشؤون الخارجية الأوروبية، ووزير الخارجية النروجي ثوربيون ياغلاند وسناتور جمهوري سابق يدعى وارن رودمان.
وفي هذه المرة أيضاً يريد الرئيس مبارك تأكيد دور بلاده كضامن لمفاوضات السلام. وهناك توجه تقوده القاهرة يرمي إلى انشاء قوة ردع عربية – كالقوة التي استخدمت في لبنان – أو انشاء قوة دولية بقيادة عربية، تشرف على الأمن في قطاع غزة بمشاركة «حماس». ولكن هذه المشاركة تحتاج إلى إعلان انخراط «حماس» في العملية السياسية والتخلي عن خيار الكفاح المسلح. حتى في حال التوصل إلى هدنة طويلة – كما يسعى ميتشل – فإن أي اتفاق يحتاج إلى «حماس» كونها الطرف المنفذ. ومن المتوقع، في حال إقرار الهدنة، أن يُنشأ جهاز رقابة للاشراف على عمليات التطبيق المتصلة بالهدنة، وذلك على شاكلة قوات «اليونيفيل» التي وجدت في جنوب لبنان عقب مجزرة عملية «عناقيد الغضب» سنة 1996.
بعض المحللين يقول إن ميتشل يسعى إلى بناء الثقة بين أطراف النزاع قبل أن ينتقل إلى المرحلة الجدية من المفاوضات. وهذا بالطبع يحتاج إلى وقت طويل قد يمتد إلى ما بعد الانتخابات الإيرانية، وإلى ما بعد الزيارة التي سيقوم بها أوباما إلى موسكو. وتتوقع موسكو قبول الرئيس الأميركي تفكيك قواعد الدروع الباليسيتية في البلدان المحيطة بروسيا، وإبعاد نفوذها السياسي والاقتصادي عن أوكرانيا وجورجيا، مقابل اقناع ايران بالتخلي عن طموحاتها النووية. وعندما يتحدث أوباما عن احتمال التفاوض مع طهران، انما يشير الى تلبية حاجات الدولة الايرانية لا الى القبول بطموحاتها الثورية، وعندما تتحدث الوزيرة كلينتون عن هدف المفاوضات، انما تتوقع ارساء نظام اقليمي جديد تتعاون فيه ايران مع دول الجوار وتقبل بالمشاركة في نشر نفوذها، بعد التخلي عن سياسة المواجهة وتوزيع السلاح.
في الأحاديث التي أدلى بها جورج ميتشل للصحف البريطانية عقب نجاحه في حل مشكلة ايرلندا الشمالية، كان يشدد على أهمية صفات الصبر والمثابرة والاقتناع والشجاعة الأدبية، من أجل إحراز التقدم في المراحل الصعبة. وقد اعترف مراراً بأنه تعرض للترهيب والتهديد من قبل أشخاص كانت تعميهم صلابة العقيدة، خصوصاً أن الفريقين المختلفين كانا يتوقعان منه الانحياز السافر، في حين حافظ على مسافة متساوية بين حقين لا بين حق وباطل. وإلى هذه المعادلة العادلة كان يرجح أسباب نجاحه. لذلك اختير حكماً في منازعات كثيرة مثل قضية ايران – كونترا والكولونيل نورث، وفضيحة استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية سنة 2002 في مدينة «سولت لايك سيتي في «يوتاه»، واعتماده رئيساً لمجلس إدارة شركة «والت ديزني» أثناء الخلاف بين الإدارة والمساهمين. ولكنه في المهمة الأخيرة، يعرف الى أي حد سيتعرض الى تحديات معرقلي مشروع حل الدولتين. كما يعرف أسماء الذين تناوبوا على هذه المهمة منذ سنة 1921 بواسطة القاضي البريطاني سير توماس هيكرافت… مروراً بالقاضي البريطاني الآخر سير والتر شو…
وانتهاء بالوسيط ممثل الرباعية توني بلير.
سألته مرة عن أهمية الدور الأميركي في الاختراقات السياسية التي نفذها أثناء مفاوضاته حول أزمة ايرلندا الشمالية. وقلت له إن وزير خارجية فرنسا ميشال جوبير كان أكثر قدرة وديبلوماسية في المحادثات من زميله الأميركي هنري كيسنجر، ومع هذا كله فإن كيسنجر نجح في هندسة العالم أكثر من جوبير.
وابتسم جورج ميتشل ليؤكد ان الدولة الراعية هي التي نجحت وليس كيسنجر وحده. تماماً مثلما أعانته بلاده على ربح معركة المفاوضات حول ايرلندا.
وهو اليوم يتعرض لامتحان تاريخي، ليس كوسيط فقط، بل كمبعوث شخصي لرئيس وصفته الصحف بأنه أقوى رؤساء أميركا منذ ابراهام لينكولن!
فهل تسمح له إسرائيل بتحقيق مشروع الدولتين؟!
* كاتب وصحافي لبناني
"الحياة"




















