(عقيد احتياط، مؤرخ)
مع إعلان وقف إطلاق النار الأحادي، أعلن رئيس الحكومة ووزير الدفاع أن كل أهداف العملية في غزة تحققت "بل وأكثر من ذلك". لا شك أن هناك ما يدعو إلى الرضا من المستوى الذي وصل إليه الجيش، إلا أن العرض الدراماتيكي يثير بعض الخشية.
الخشية من أن رئيس الحكومة أصيب بـ"سكرة النصر" وكان عليه أن يفيق منها في حديثه المتلفز الذي وصف فيه كيف "عالج" أمر الرئيس الأميركي. ملامح هذه السكرة تبدو أيضا في أداء وزير الدفاع. إن "سكرة النصر" هذه يمكن أن تكون مفيدة من ناحية المعنويات الوطنية، وربما في الإنتخابات القادمة، إلا أنها يمكن أن تكون خطيرة في إدارة الدولة مستقبلا.
من المؤسف فعلا إحباط حالة من الفرح تعم أجزاء كبيرة من الشعب، لكن لأجل الحؤول دون حصول خيبات أمل، علينا أن نذكر أن الإنجاز العكسري المثير لا يعني دائما النصر. النصر لا يُعلن من قبل الخبراء العسكريين، وإنما يتحدد في وعي الأطراف. على سبيل المثال، المصريون خرجوا من حرب يوم الغفران بشعور المنتصر فيما الإسرائيليون كانوا يشعرون بأنهم تعرضوا لضربة قاسية رغم أن إسرائيل حققت من الناحية العسكرية إنجازات مهمة.
عندما نتفحص نتائج العملية في ضوء الأهداف التي حُددت نقف أمام مشكلة. رئيس الحكومة ووزير الدفاع أرادا "تغيير الواقع الأمني"، وهي عبارة كانت على ما يبدو عبرة من حرب لبنان الثانية التي حددت فيها أهداف متبجحة. هذه المرة تم تحديد هدف جيد على الدوام، إذ كل نتيجة ستكون بمثابة "تغيير الواقع"، ولذلك كان بإمكان الرجلين التغني بالإنجاز.
إلا أن الهدف الثاني الذي حُدد كان منع تزويد حماس بالصواريخ عبر محور فيلادلفي وتوجيه ضربة قاسية لغزة بحيث تدرس حماس خطواتها جيدا قبل أن تحاول استئناف الحرب. هذه الأهداف لم تتحقق بعد. إغلاق فيلادلفي بقي هدفا سياسيا متعلقا بالإرادة الطيبة لمصر التي سبق أن خيبت الآمال في هذا الموضوع سابقا. لذلك، من الذي يضمن لنا أن لا تفعل ذلك ثانية الآن؟
كذلك في موضوع الضربة القاسية التي يفترض أن تشكل عبرة لحماس في المستقبل تثور عدة شكوك. فرح الإنتصار يرتكز إلى فرضية أن حماس وسكان غزة تعرضوا لضربة قاسية إلى درجة أنهم سيفكرون مرتين قبل أن يثيروا أعصابنا ثانية. إلا أن هذه الفرضية ليست صحيحة. حركة ميليشياوية لا تقلقها الضربات التي يتعرض لها السكان المدنيون. لذلك، في نظرها، هذه الضربات تزيد الكراهية ضد العدو وتعزز مكانتها وسط السكان.
من الناحية العسكرية المهنية، صحيح أن الجيش عمل كالماكينة المنظمة والناجعة وكانت نسبة خسائره مقارنة مع حماس مثيرة جدا، إلا أن الجيش لم يواجه جيشا نظاميا وإنما قوات ميليشياوية، لا تدعي وليس من المفترض أنها ستتصدى للعدو وجها لوجه. بالعكس، النظرية القتالية الخاصة بهؤلاء ترى أنه ينبغي الإمتناع عن الحسم والإنسحاب والإختباء عندما يكون العدو في حالة هجوم، والشروع في عقصه لاحقا في نقاط الضعف. الأنفاق الكثيرة أُعدت بالضبط لأجل مهمة كهذه.
وكذلك في نسبة الخسائر يحظر علينا أن نستبشر أكثر من اللازم. فحماس تملك 16000 مقاتل، وخسارة 500 منهم لا تعتبر ضربة قاتلة.
فيلادلفي ليس في أيدينا، وكذلك شاليط
في قتال ذي طابع كهذا، ثمة أهمية كبيرة لإنجازات استعراضية تهين قادة الميليشيا في نظر السكان. على سبيل المثال، اعتقال قادة الميليشيا أو إعلان أحادي من جانبهم بالخضوع ووقف المقاومة، وبالطبع، احتلال منطقة أو مكان له أهمية رمزية بالنسبة للجانبين. إنجازات من هذا النوع لم تحصل. محور فيلادلفي ليس في أيدينا، ومعظم قادة حماس لا يزالون على قيد الحياة، كما أن القذائف بقيت تتساقط علينا حتى اليوم الأخير من المعركة. كما أن تواصل سقوط الصواريخ بعد وقف إطلاق النار يدل على أننا لم نكسر وقاحة قادة حماس.
من الناحية العسكرية، يجب التفريق بين مستوى التدريب والجهوزية اللذين كانا مثيرين للإنطباع لدى الجيش، وبين مستوى التخطيط والتفكير العسكري الذي تثور بشأنه شكوك.
إذا كانت العملية البرية أمرا مخططا مسبقا، فمن غير الواضح لماذا لم يتم إدخال القوات فور انتهاء الهجوم الجوي حين كانت قوات حماس في حالة صدمة. ومن غير المفهوم إطلاقا ما الذي أسهم به إدخال القوات البرية إلى أرض المعركة؟ فـ"الدرس" الأساسي لحماس والغزاويين أعطاه سلاح الجو. كما أنه أغلق بدرجة كبيرة محور فيلادلفي. ما الذي كان يفترض بالقوات التي أُدخلت بعد أسبوع أن تضيف، خاصة أنها دخلت إلى المناطق المفتوحة؟ صحيح أنه لم تقع لها خسائر كثيرة وأنها تسببت للعدو بخسائر قاسية، ولكن ماذا كان في نهاية المطاف إسهامهم في أهداف الحرب؟ لقد دخلوا إلى القطاع؛ لكن هل كان هناك شك في قدرتهم على القيام بذلك؟ وإذا كانوا دخلوا من أجل تقطيع أوصال القطاع، فلماذا لم يكن هناك اختراق في محور فيلادلفي؟
حتى منطق "خطة المراحل" ليس مفهوما. يمكن أن نتساءل بشأن المنطق في التخطيط مسبقا لحرب مطولة كما حذر وزير الدفاع في بداية العملية، في حين كان من الواضح استنادا إلى خبرة الجيش أن وقتنا دائما محدود. ألا يتناقض مخطط "المراحل" مع مبدأ "تركيز الجهد".
في إطار تقييم النتائج الحقيقية للحرب، لا يمكن تجاهل تناسي ذكر اسم جلعاد شاليط في المفاوضات. إذا كانت حماس بحثت فعلا عن طريقة للخضوع المشرف، فقد كان ذلك هو الوقت لطلب استعادة شاليط كشرط أساسي. إن عدم استعادته هو مؤشر واضح على أن حماس لا تزال واقفة على أرجلها وتستعد للجولة القادمة.
إن كل هذه المعطيات تعيدنا إلى رئيس الحكومة ووزير الدفاع اللذين يحتفلان بالنصر. إن سكرة النصر عدو للمسؤولية والتفكير السليم. لقد تعرض العدو لضربة قاسية، إلا أنه لم يجثم على ركبتيه أمامنا، وإن لم نفهم ذلك، فإن الخطر سيواصل التحديق بنا.
("يديعوت أحرونوت" 28/1/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل




















