(1) ألهت بني تغلب عن كل مكرمة
أنا هنا لا أريد أن أضيف تعليقاً على آلاف التعليقات التي كتبت حول حذاء منتظر الزيدي، بل أريد التفريق بين الحدث بحد ذاته، والأصداء التي ترتبت عليه عند العرب.
الحدث، بحد ذاته، عمل بطولي يعبر عن ثأر لذل مكبوت ألحقه بنا حكامنا، وليس بوش أو الآخرون. فالعدو عدو ولا ننتظر منه أن يحافظ على كرامتنا، ولا أن يحافظ على استقلالنا، ولا أن يعطينا الحرية. إن من يجب عليه أن يحافظ على كرامتنا واستقلالنا ويعطينا الحرية هم حكامنا. وعندما يدوسون على كل هذه القيم، فإننا نرى في حذاء منتظر الزيدي الذي ألقاه على بوش، انتصاراً ما بعده انتصار.
هذا الصدى الذي ترتب على هذا الحدث، وأنه ثأر لكرامة الأمة المستباحة، يعبر عن عقدة سيكولوجية ورثناها نحن العرب على مدى قرون من الهزائم والانكسارات المتوالية. إن آخر معركة حققنا فيها انتصاراً كانت معركة حطين، قبل أكثر من ثمانمائة سنة، ومن حينها وحتى اليوم لم نحقق سوى الهزائم والانكسارات والنكسات والتراجعات وغيرها من الاصطلاحات المتدرجة للهزائم. أما الانتصارات التلفزيونية التي نحققها، فحدث ولا حرج.
هذا الحدث، لو وقع في بلد آخر غير عربي، في بلد من البلدان التي أنعم الله عليها بنعمة الديمقراطية، وحباها بحكام (مثل العالم والناس)، لما أحدث كل هذا الضجيج. لقد شاهدت على شاشة التلفزيون حدثاً مماثلاً في أحد البلدان الأوربية، حيث ألقى أحد الحضور شيئاً ما على الرئيس الذي كان يلقي خطاباً. اقترب منه الحرس، بكل لطف وتهذيب، واقتادوه إلى الخارج. وقد علمت فيما بعد أنهم أطلقوا سراحه بعد أقل من ساعتين، بعد أن أسقط الرئيس حقه الشخصي. نعم! أطلقوا سراحه ولم ينقضوا عليه كالوحوش الذين انقضوا على منتظر الزيدي، فكسروا أضلاعه ويده وكادوا يخنقونه قبل أن يخرجوه من القاعة. إنها عقلية أجهزة الأمن العربية المتوارثة التي تعتبر أن العدو هو الشعب، لأنه هو الذي يشكل خطراً على السلطة الجائرة.
إذا أردنا أن نعرف تأثير عقدة الهزائم المتلاحقة التي حلت بالعرب "بفضل" زعمائهم، فإننا نستنتج ذلك من المبالغ الطائلة التي دفعت ثمناً لحذاء "سندريلا" الجميل. لقد اقترح أحدهم أن يشتريه بعشرة ملايين دولار، فزايد عليه، آخر بأن دفع مليون دولار لكل نمرة، أي ما يتجاوز الأربعين مليون دولار.
إننا، لكثرة هزائمنا وخيباتنا، نجعل من حرق مجسم لرئيس أمريكي انتصاراً ما بعده انتصار. وقد بلغ الأمر (أمر عقدة الهزائم) حداً جعل إحدى الصحف العربية تضع مانشيتاً عريضاً: "فريقنا بكرة القدم أحسن فريق منهزم".
ترى لو ألقي هذا الحذاء على حاكم عربي، هل يبقى أحد من أقربائه أو معارفه أو أصدقائه وكل من وُجد اسمه على دفتر هاتفه، على قيد الحياة.
ألهت بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
* * *
(2) إنهم لا يصوبون سهامهم إلى الهدف
درجت بعض الأقلام التي تمثل بعض أحزاب"الجبهة الوطنية التقدمية" التي تصنف نفسها"يسارية"، وكذلك تحاول أن تصور نفسها أن لها وجهاً مستقلاً عن السلطة، على صب جام غضبها على "السيد النائب الاقتصادي"، نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، مصورة أياه أنه "كلي القدرة" ومسؤول عن تدهور الأحوال المعيشية للمواطنين عندما حذف كلمة"اجتماعي" من مقولة "اقتصاد السوق الاجتماعي"،مستغلاً انشغال كبار المسؤولين في البلد بصد "المؤامرات الأمبريالية والصهيونية" التي تحيق بنا؟؟!! وأن هذا الحذف سيؤدي بالبلد إلى كارثة اجتماعية، وتطالبه بإعادتها إلى مكانها معززة مكرمة.
لا أدري ما إذا كان هؤلاء المحللون الاقتصاديون أغبياء أم يستغبون الناس؟ لا أعتقد أنهم أغبياء، بل هم جبناء، ليسوا هم، بل من يعطيهم التوجيهات. إنهم، هم وقادتهم، يعرفون الحقيقة، ولكنهم لا يجرؤون على قولها. إنهم يعرفون أن "السيد النائب الاقتصادي" ليس "فعالاً لما يريد" بل هو بكل بساطة "عبد مأمور"، ينفذ ما يأتيه من فوق. وأنتم تعرفون ذلك جيداً، ولكنكم تخشون أن تصوبوا أقلامكم نحو المسؤولين الحقيقيين.
كيف يستطيع هذا "السيد النائب" أن يتجاهل قرارات القيادة القطرية والجبهة الوطنية التقدمية التي تنص على "اقتصاد السوق الاجتماعي.." فمن هو هذا السوبرمان الذي فاقت صلاحيته صلاحية هاتين المؤسستين الهامتين؟ ومن أين له كل هذه الصلاحيات حتى يتجرأ في درعا والسويداء أنه قرر حذف "اجتماعي"؟ هل لأنها لا تلائم مزاجه، أم إن وراء الأكمة ما وراءها؟
سأضرب لكم مثلاً آخر في تجاهل قرارات القيادة القطرية.
فقد قررت في مؤتمرها الأخير قبل بضع سنوات، إصدار قانون يسمح بتشكيل أحزاب في سورية، واجتمعت اللجنة البعثية في مجلس الشعب، ووضعت مشروع قانون لتشكيلها. ولكن أوامر سحرية صدرت من "جهة مجهولة" طلبت "خنق أنفاسه" قبل أن يرى النور.
إن الجهة التي أخمدت أنفاس قانون الأحزاب هي ذاتها التي تقف وراء حذف كلمة "الاجتماعي"، وهي ذاتها التي تقف وراء ارتفاع الأسعار الجنوني، وخلف كل المصائب المعيشية التي حلت وتحل بالمواطنين. وهي أعلى من القيادة القطرية والقومية ومجلس الشعب ومجلس الوزراء والجبهة الوطنية التقدمية. ثم لماذا الاستغراب؟ ألم تكن مسيرة حزب البعث منذ استيلائه على السلطة في الثامن من أذار عام 1963 وحتى اليوم، توصل الأوضاع في بلادنا،منطقياً وموضوعياً، إلى ما وصلت إليه؟
ففي جميع بلدان العالم الثالث التي استلمت السلطة فيها أحزاب"ثورية" عبر الانقلابات العسكرية، نادت بالاشتراكية منهجاً اقتصادياً اجتماعياً؛ فأممت معامل القطاع الخاص وسيطرت عليها الدولة، ولكن مع مرور الزمن، بدأت هذه المعامل تخسر، والقائمون عليها يربحون ويراكمون ثروات طائلة. وعند هذا الحد انتهت اشتراكية هذه الأحزاب واكتملت مهمتها.
ما العمل؟ الاشتراكية لا تتيح المجال للاستثمار الفردي. وضع الأموال في المصارف الأجنبية لا يكفي لزيادة الثروة. إذن لا سبيل أمام الورثة سوى العودة إلى الرأسمالية.
الحكام في بلدان العالم الثالث "الثورية" التي تبنت الاشتراكية منهجاً اقتصادياً أدّوا مهمتهم، فراكموا ثرواتٍ هائلة لأولادهم، وأصبحوا في سن التقاعد، وجاء الأولاد الورثة ليستثمروا ما راكمه لهم المؤسسون. إذن لا سبيل أمامهم سوى العودة إلى الرأسمالية.
نشرة الرأي
كانون الأول2008 – كانون الثاني2009
العددان 82-83




















