قبلة فوق ابتسامة الكفن…
خرجت من سجن صيدنايا، وأنت تمتطي ابتسامتك المعهودة، قلت لك الى أين ياعادل؟ فقلت وأنت دهش من سؤالي إلى "غرب" دير الزور.
في تلل اللحظة كان وداعنا الاول….
طرقت بابي في دمشق، كانت ابتسامتك تختبئ وراء عيونك الخضراء فتموجها بظلال الحزن الاكيد.
امسكت بيديك، قبلتك، باردة دموعك، ووجهك يفضح لغة الصمت، لقد ودعت طفلي الصغير "محمداً" ذا السنوات الخمس ياراشد….
هذا هدية حريتك ياصديقي، بل عقاب لابتساماتك التي كنت تواجه فيها العالم.
أما آن للحزن أن يعتريك.
وفجأة سألتني، ماذا لديك في دمشق لتبقى، قلت: قبض الريح، رجعت إليك ابتسامتك المعهودة، فقلت لي بلغة ديرية " هاي هية نزيل وخلصنا".
وكانت رحلتنا معاً في دير الزور… نلتقي يومياً، ندردش في كل القضايا عدا الحب، فقد توقّف القلب وانطمرت تحته جمرة تشعل اليقين.
فيض من الهواجس، كانت تبعث في لقاءاتنا، هاجس الحرية الذي مافتئ يأتي إلينا كابوساً مدسوساً في غارات "زوار الفجر" إلى بيوتنا، ومراكز عملنا، واستدعاءات إلى مراكزهم الخرافية.
كنت تقول لي متى يبقى هذا البلد يعيش حالة استنساخ، أما آن لرحم الأرض أن يطلق صرخة لولادة طبيعية غير مشوهة ولا قيصرية.
شوارع الدير حزينة ياصديقي، وشارع النهر الذي كنّا نمشي عليه، يتساءل اليوم، أين عشّاق "الغرب" هل ماباحوا به من أشجان وتساؤلات وأسرار، قد تركوها وراءهم. "الجرداق"، والطاولة التي كنّا نسكن إليها. في طقس دير الزور الطاغي في غربته وقسوته، ماعادا بعرفان الوجوه التي كانت ترتادهما، وما عادت ضحكات أبو الالقوق ومحمود تتمازج مع الفرات القابع فينا.
مصطفى يحتسي قهوته المحلاّة قليلاً بسكون تتجزأ فيها الثواني، ويرثي به هاجس الوحدة، فينظر فجأة للوجوه ليراك ياحاج مطبوعاً فوق ملامح أصدقائك.
اللحظة فينا أصبحت مسافاتٌ بين هجرة الفرح، وسلحفاة الأمل.
وهاهو فواز يقلّب بين يديه سيجارته "الحمراء الطويلة" كأنه يرصد ذاكرة تعيدك إليه.
كثيرون ياحاج الذين عرفوك وأحبوك، وكثيرون هم الذين عرفتهم وتركتهم يقلّبون الزمن بتساؤلات.
والرجال هم الرجال، الفارس ترجّل دون أن يهمس لأحد كلمة وداع.
تاركاً ابتسامته بين زوايا السجون، وعمق الفرات، مودعاً قصصاً وأسراراً وأحاديث لم تنته بعد، وأماني لم تكتمل.
ياصديقي… لا أقول لك وداعاً، فقد تمشّيتُ وحمّودكَ الصغير ذا السنوات التسع صباحاً في ذلك اليوم العنيد.
نستذكر معاً والدموع تحيط بنا، حكايا الأطفال حين يحزنون.
كان طفلك يتكلم عنك كأنك ذاهب لتأتي له بلعبة لم يلعبها بعد، وأمل لم يدركه، لطراوة سنّه.
وهاهي أم مضر، المرأة التي تجّرأت فقبلتك أمام الحاضرين، والتي تجّرأت فأحبتك، والتي امتطت صهوة الجواد حين ترّجلته.
لك ياأمَّ، مضر، وريما، وبانة، ومحمد الرجال.
لاوداعاً ياصديقي.. فما زال بيننا الكثير من الوقت لنضحك، ومازال بيننا كثير من الوقت لنحتال على هذا الزمن الرديء، زمن اغتيال البسمة، واغتيال الأمل.




















