الكلام الصادر عن مكتب المدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، بخصوص محاكمة إسرائيل على جرائمها في غزة؛ لا يطمئن. يحمل إشارات لا توحي بالحياد، المفترض توفّره في هذه المرجعية القانونية العالمية. اللغة المفتوحة التي اعتمدها، تحمل على الاعتقاد بأن هناك نية للتهرب من النظر في هذا الملف.
أو في أحسن الأحوال، بأن مثل هذا الاحتمال غير مستبعد، بل مرجح. الحديث عن الشروط والأصول، من البداية وقبل دراسة الموضوع ؛ يبدو وكأنه يندرج في خانة إعداد الذرائع مسبقاً؛ وبالتالي التمهيد لرد طلب التحقيق، وإلاّ لماذا استباق الأمور والتبرع في التفسير والتعريف، بمثل هذه المفردات القانونية الملتبسة؟
وزير العدل الفلسطيني ومعه حوالي مئتين من الشخصيات والمنظمات المدنية والدولية، رفعوا إلى مكتب المدّعي العام في هذه المحكمة؛ «بلاغات» تطالبه بفتح تحقيق في جرائم حرب ارتكبتها إسرائيل، أثناء عدوانها الغاشم الأخير على غزة. أوضح مكتبه، بأن التبليغ وصل وأنه سيقوم بـ «التحليل الأوّلي» لمضمونه.
كما انه سينظر في «مسألة الصلاحية القضائية» للمحكمة في هذا الملف. وأردف بأن هذا التحليل لا يعني أن فتح التحقيق بات في حكم تحصيل الحاصل. حتى هنا، لا غبار على الرد والتوضيح. لكن سرعان ما بدأت لغة الذرائع تطل برأسها.
بدا ذلك في تشديد مكتب المدّعي العام، على أن المحكمة الدولية، لا صلاحية قضائية لها في شأن غزة. لماذا؟ لأن «إسرائيل ليست عضواً في المحكمة الجنائية الدولية». فهذه الأخيرة «تنظر في جرائم الحرب والتي ترتكب ضدّ الإنسانية والإبادة، ضدّ فرد؛ إذا ما ارتكبت على أراضي دولة عضو في المحكمة أو إذا كان هذا الفرد من رعايا دولة عضو».
نصوص، يبدو أنه جرى ليّ عنقها. بموجب اتفاقات روما، التي أنشأت المحكمة، تجري محاكمة مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسان وعمليات الإبادة؛ في ثلاث حالات: إذا قامت دولة برفع دعوى من هذا النوع أمامها. ؟
إذا طلب منها مجلس الأمن الدولي، ذلك – إذا بادر المدّعي العام لديها وطلب فتح التحقيق في جريمة من هذا النوع، ارتأى أن ثمة أساساً يراه صالحاً لفتحه. كون العدد الكبير من الشهداء، كان من الأطفال والنساء؛ كان ينبغي أن يكفي ليتحرك المدّعي العام تلقائياً.
على الأقل كان من المفروض أن يبادر إلى مثل هذه الخطوة، حتى ولو كان من المحتمل أن ترد المحكمة، مثل هذه الدعوى في الشكل. استباقه للأمور بهذه الصورة، ينطوي على واحد من اثنين: إما أنه تعرّض لضغوط معروفة. وإما أنه تبرّع بموقف لا يوحي بالثقة.




















