نصير الأسعد
ثمّة، منذ إنتهاء قمة الكويت، تطورات بارزة ومهمة ومتلاحقة على الصعيدين العربي والإقليمي، لا بد من التمعّن فيها لما لها من نتائج وإنعكاسات في أكثر من مجال.
إجتماع أبو ظبي "ضدّ" إيران
في هذا السياق، لا شك أن الإجتماع الذي عقده وزراء خارجية تسع دول عربية في أبو ظبي أول من أمس، يشكل التطور الأبرز عربياً منذ شهور. ومن أجل تفحّص الأبعاد العميقة لهذا الإجتماع، يجدر التوقف عند أهم ما أسفر عنه.
بدايةً، لا بد من ملاحظة أن الإجتماع إنعقد تحت عنوان إستعادة المنطقة العربية والقضية العربية إلى العرب.. إلى النظام العربي. وذلك في وجه "التدخلات غير البناءة" من جهات غير عربية، في إشارة واضحة إلى إيران وتدخلاتها. ويأتي ذلك في إمتداد المواقف العربية التي أعلنت التصميم على وضع حد للتدخل الإيراني في الشأن العربي.
المبادرتان السعودية والمصرية
وإذا كان يصح القول إن إجتماع أبو ظبي هو لـ"مواجهة" أخطار التدخل الإيراني في الشأن العربي، فإن الأسس التي حددها الإجتماع توضح عناوين هذه "المواجهة" من ناحية، ومرتكزات إعادة لمّ الشمل العربي على أبواب القمة العربية العادية في آذار المقبل من ناحية ثانية.
الأساس الأول هو مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز لـ"المصالحة العربية" التي أعلنها في الكويت الشهر الماضي. وهي مبادرة تنطلق من الدعوة إلى وضع حد للخروق الإيرانية عربياً، أي أنها ترى أن إنهاء الخروق الإيرانية هو شرط "لازم" لإنجاز المصالحة العربية؟. والأساس الثاني هو المبادرة العربية للسلام التي يجب أن تُعطى مداها وفرصتها، وأن تبقى عنوان المشروع العربي في هذه المرحلة. والأساس الثالث هو تفويض مصر حصرياً بملف المصالحة الفلسطينية. والأساس الرابع هو إعادة تأكيد الموقف العربي الذي يدعم منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، ويدعم وحدة الشرعية الفلسطينية ووحدة القضية والأرض الفلسطينيتين.
النظام العربي والشرعية الفلسطينية
إن هذه الأسس التي حددها إجتماع أبو ظبي تفضي إلى عدد من الاستنتاجات الرئيسية.
ثمّة إنتقال لـ"النظام العربي" الرسمي إلى المبادرة.. من "الدفاع" إلى "الهجوم".
وهناك "إعادة إعتبار" ـ إذا جاز التعبير ـ لدور المملكة العربية السعودية ومصر في زعامة النظام العربي وقيادته.
ولا يخفى التصميم على منع إيران من تحويل المنطقة وقضية فلسطين إلى "ملف" من ملفاتها.
و"الرسالة" الموجهة إلى حركة "حماس" في هذا السياق واضحة: لا أفق أمامك إلا العودة إلى البيت الفلسطيني الشرعي من جهة وإلى الشرعية العربية من جهة أخرى.. ولن يأتيك "الترياق" من إيران.
من الكويت إلى أبو ظبي: "جزرةٌ" عربية للأسد
وسط هذا التطور شديد الأهمية، كان لافتاً أن "النظام العربي" الرسمي، في ضوء مبادرة المصالحة التي أطلقها العاهل السعودي في الكويت وموافقته على الإجتماع برئيس النظام السوري بشار الأسد، جدد ـ أي "النظام العربي" الرسمي ـ إستعداده للإنفتاح على سوريا، من ضمن الأسس التي حددها إجتماع أبو ظبي وصاغها. أي إن ثمّة "فتحاً" أمام دمشق، مشروطاً بالأسس المحددة، والتي تقتضي من النظام السوري فكاً عن إيران وعودة إلى "الأسرة" العربية. ومع أن وزير خارجية النظام السوري وليد المعلّم أشاد قبل يومين بـ"المبادرة الطيبة" للملك عبدالله بن عبد العزيز ودعا إلى الحوار لتقريب المسافة بين المواقف العربية، ما يفيد أن دمشق "تحسب" جيداً ذلك التطور العربي الأبرز منذ شهور، فإنه لا يمكن القول إن نظام الأسد "حسم" باتجاه تجديد علاقته بـ"النظام العربي" ومبادئه ومرتكزاته. يمكن القول إن "النظام العربي" عرض للنظام في سوريا "جزرة" فك العزلة العربية عنه وإن النظام في سوريا يقوم بحساباته. وعلى الأرجح أن الوقت ليس مفتوحاً أمامه كي يعطي جوابه على العرض، لأنه معني بإعطاء الجواب في أسابيع قليلة، وهو على مشارف إستحقاق المحكمة الدولية، وعليه أن يرى "المناسب" له في مجال "ملاقاة" إستحقاق المحكمة: أيُلاقيها وقد استأنف علاقاته العربية أم يلاقيها معزولاً؟.
التموضع التركي الجديد
تزامناً مع هذا التطور الأبرز عربياً منذ شهور، كان ثمّة تطور إقليمي لا يقل أهمية يتبلور في الأيام القليلة الماضية.
والمقصود هنا بهذا التطور الإقليمي المهم، هو القمة السعودية ـ التركية أول من أمس، وما صدر عنها من مواقف "معبّرة".
فقد أتت القمة السعودية ـ التركية بما إتفق عليه خلالها وبما أعلنه الرئيس التركي عبدالله غول، تعكس "تحولاً" تركياً نحو "الإنحياز" بجانب "النظام العربي" ومشروعه للسلام الإقليمي، وبجانب مصر في "دورها الفلسطيني"، و"تحولاً" نحو نقد "حماس" فلسطينياً. وكل ذلك بالتوازي مع موقف تركي حازم من الملف النووي الإيراني رفضاً لصيرورة إيران قوة إقليمية نووية.
النظام العربي وتركيا قوتان إقليميتان
ولهذا "التموضع" التركي الجديد أهمية كبرى من زوايا متعددة. فالعلاقة التركية ـ العربية يعاد بناؤها من مدخل العلاقة بـ"قيادة" العالم العربي. وعلى قاعدة أن "بلاد العرب للعرب" وأن "فلسطين عربية". وهي أقرب ما تكون إلى "التحالف" بين "النظام العربي" كقوة إقليمية وتركيا كقوة إقليمية أخرى. وهي بمثابة رسالة إلى إيران بأن ثمّة "مصالح" عربية وتركية متقاطعة". وبكلام آخر فإن "الوسيط التركي" في المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية غير المباشرة، إذ يوجه رسالة إلى إيران بشأن المصالح العربية والتركية المتقاطعة، يوجه رسالة إلى سوريا أيضاً بأن لا تحالف تركياً ـ سورياً ولا مجال لاستقواء سوري بالعلاقة مع تركيا، ورسالة إلى "حماس" بأن "النظام الإقليمي" يُرسى على "مصالح" ولا تضحية بها لحساب "قناعات عقائدية" ما هنا أو هناك. وبالفعل، فإن ما أعلنه غول وما صدر من مواقف مشتركة مع خادم الحرمين، يمثلان تطوراً في الموقف السياسي التركي أثّرت فيه "صلابة" الموقف العربي، المصري والسعودي خصوصاً.
إسرائيل و "العصا"
في غضون ذلك، سُجّل تطور آخر، تمثل من جهة في تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك "حزب الله" عشية الذكرى الأولى لاغتيال الحاج عماد مغنية من "إختبار إسرائيل بمهاجمة أهداف إسرائيلية"، ومن جهة ثانية بكشف إسرائيل أنها "تشتبه بأن سوريا تعتزم نقل أسلحة خارقة للتوازن إلى حزب الله".
بصرف النظر عما إذا كان "حزب الله" سيثأر لاغتيال مغنية أو لا، علماً أن كثيرين يستبعدون ذلك ضمن المعطيات القائمة، فإن الرسالة الإسرائيلية التي توحي بها تصريحات باراك والمعلومات عن السلاح التي نشرتها "هآرتس"، والتي ـ أي الرسالة ـ ذُكر أنها أبلغت إلى دمشق، إنما تفيد أن إسرائيل تخطط لحرب على "حزب الله" ولبنان وسوريا "معاً" في حال إعتبرت أن ثمّة "إختباراً" لها.
دمشق وطهران
بهذا المعنى، فإن النظام السوري هو في ظل هذه التطورات المتلاحقة بين "جزرة" يعرضها "النظام العربي" لفك العزلة عنه من ناحية، و"عصا" إسرائيلية بتوجيه ضربة عسكرية إليه من ناحية ثانية، و"رسالة" تموضع تركي مختلف من ناحية ثالثة و"سيف" المحكمة الدولية من ناحية أخيرة. والجواب عنده. أما إيران فعليها أن تفاوض أميركا والمجتمع الدولي بـ"ذاتها" أي بدون "وزن زائد" أو أن تواجه أميركا والمجتمع الدولي بـ"ذاتها" أيضاً. وفي كل الأحوال، فإن الموقف العربي بقدر ما يسعى إلى إغلاق أبواب التدخل الإيراني فهو يفتح باب علاقة عربية ـ إيرانية سويّة بالفعل.
ولبنان اليوم على تقاطع هذه التطورات جميعاً.




















