التحذيرات التي وجهها وزير الدفاع الإسرائيلي لـ"حزب الله" قبل يومين هي جزء من حرب كلامية تدور بين الطرفين منذ اغتيال المسؤول العسكري في الحزب عماد مغنية في دمشق قبل عام. فمنذ وقوع الإغتيال واتهام الحزب اسرائيل و"الموساد" بالمسؤولية وتهديده بالانتقام لقائده، وحرب التهديدات والتحذيرات لم تتوقف بين الطرفين. واليوم ومع اقتراب الذكرى السنوية لإغتيال مغنية تصاعدت لهجة التهديدات الاسرائيلية وتزامنت مع سلسلة تطورات أيقظت مجدداً المخاوف من امكان نشوب مواجهة جديدة بين اسرائيل و"حزب الله" قد يكون ثمنها باهظاً.
ففي المدة الأخيرة رفعت اسرائيل من جهوزية قواتها المرابطة على الحدود اللبنانية تسحباً لوقوع مواجهات مع "حزب الله" وفي الوقت عينه وضعت السفارات والقنصليات والأهداف اليهودية في العالم في حالة تأهب تحسباً لعملية قد يشنها الحزب على أهداف يهودية في الخارج، ناهيك بالتحذيرات التي وجهت الى الإسرائيلين في الخارج وبصورة خاصة في أفريقيا وفي أميركا اللاتينية بوجوب "اتخاذ الحيطة والحذر" من امكان تعرضهم لعملية خطف من جانب "حزب الله".
يعلن المسؤولون الاسرائيليون ان اي هجوم يشنه "حزب الله" سواء على اسرائيل أم في الخارج سيشكل ذريعة لرد اسرائيلي مؤلم يستهدف لبنان بأكلمه. فالحزب وفق تعابير ايهود باراك ليس تنظيماً قتالياً فقط وانما هو شريك أساسي في الحكومة اللبنانية الحالية وجزء لا يتجزأ من الدولة اللبنانية. من هنا فعلى لبنان بأكلمه أن يتحمل مسؤلية أي عملية انتقامية يقوم بها "حزب الله" ثأراً لمقتل مغنية.
لكن رغم حدة اللهجة التي استخدمها باراك فـ"حزب الله" يدرك تماماً وجود فرق بين الكلام والتنفيذ وبين التهديد والفعل. فإسرائيل التي خاضت مواجهة شرسة مع "حماس" في قطاع غزة وهددت بانها ستضرب مجدداً بعنف وترد على أي صاروخ يسقط عليها بعد وقف النار ها هي تُقصف يومياً وتضطر للرد المحدود و"المتوازن" بعيداً عن كل التهويلات. فلا يمكن اسرائيل أن تفقد "عقلها" ويصيبها "الجنون" في كل مرة يسقط فيها صاروخ على منطقة غير مأهولة في اسرائيل فتقوم بتدمير غزة على أهلها. وهذا ينطبق أيضاً على "حزب الله" الذي على الأرجح يرصد بدقة الردود الإسرائيلية على تجدد عمليات القصف في غزة في أعقاب وقف النار ويحاول ان يستنتج الدروس ليستفيد منها في عمليته المقبلة ضد اسرائيل.
ولكن مقابل حسابات "حزب الله" هناك حسابات اسرائيلية من نوع آخر بدأت تطفو على السطح في أعقاب الخطاب الأخير للأمين العام للحزب والذي ألمح فيه الى ان ملف الأسرى لم يغلق تماماً نظراً الى استمرار وجود أسرى ومفقودين ورفات لشهداء تحتفظ بهم اسرائيل ومن حق الحزب استخدام شتى الوسائل للمطالبة بهم. فقد فسّر المسؤولون في اسرائيل هذا الكلام بانه اعلان من جانب الحزب القيام بعمليات خطف جديدة. الأمر الذي دفعهم الى رفع لهجة التهديدات والتحذيرات بأن أي محاولة خطف جديدة ستعتبر ذريعة لرد اسرئيلي عنيف سيدفع كل لبنان ثمنه. معنى ذلك أنهم أخذوا الكلام على محمل الجد.
تُذكّر عودة التهديدات بخطف اسرائيليين بصورة كبيرة بمرحلة ما قبل حرب تموز 2006، وهذا يؤكد مرة اخرى أن اسرائيل لم تنجح بعد حرب غزة في استرجاع قدرتها على الردع. فإذا كان ضحايا حرب تموز والدمار الذي جرته على لبنان وضحايا حرب غزة ودمارها لم "تردع" "حزب الله" عن التهديد بالانتقام لمغنية والقيام بعمليات جديدة فالمطلوب في نظر الإسرائيليين يصبح شيئاً آخر مختلفاً وأكثر ايلاماً.
لكن رغم حدة الحرب اللفظية الدائرة ثمة قيود كثيرة تُكبّل الطرفين وتمنعهما من المجازفة. فلا "حزب الله" اليوم وقبل أشهر على الانتخابات النيابية يريد تعريض قاعدته الشعبية لرد اسرائيلي انتقامي بغض النظر عن حجمه وعنفه؛ ولا اسرائيل قادرة اليوم على خوض عملية عسكرية كبيرة على لبنان يدفع ثمنها مرة أخرى المدنيون.
"النهار"




















