زهير قصيباتي
ليس بعيداً من تصنيف دول المنطقة بين دول «اعتدال» وأخرى «ممانعة»، أن تحتدم المواجهة المصرية – الإيرانية، في ظل ما تعتبره القاهرة جهوداً متسارعة تبذلها طهران لتطويق دورها الإقليمي، كي ترثه ومعه غيره، إمعاناً في «خطف» القرار العربي. وليس خارج سقف تلك المواجهة المحمومة، أن التدخل الإيراني في الإعلاء من شأن «الانتصار» الذي أعلنته «حماس» بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يتسع هامشه ليطلب مزيداً من «الانتصارات»، كلما سجلت الجهود المصرية تقدماً على طريق البحث عن سبل للتهدئة بين القطاع وإسرائيل.
تبحث مصر عن التهدئة ضمن خريطة طريق، مِعلَمها الثاني المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، فيرد المرشد الأعلى للثورة في إيران علي خامنئي داعياً رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل الى الاستعداد لحرب جديدة. أما الثمن «المادي» فمسألة أخرى، والثمن السياسي حرب ضروس لقطف الثمرة الإقليمية.
وحين ينصح الوسيط التركي الذي تسلّم الحركة بنزاهته، بترك السلاح سبيلاً لفرض الحلول، يرد مشعل من طهران واعداً الإيرانيين بـ «تحرير كل فلسطين». أما الرئيس محمود عباس الذي ينتظر قبول الحركة الحوار لتحقيق المصالحة، فيسمع سريعاً وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي مدافعاً عن «شرعية» حكومة «حماس» في غزة.
ما بين إصرار إيران على تمسك الحركة بـ «انتصارها» وشرعيتها، ورفض الحركة شرعية التمثيل الكامل لمنظمة التحرير الفلسطينية، يترسخ في القاهرة اقتناع بأن المواجهة مع تمدد النفوذ الإيراني باتت في ذروتها، والأهم أن طهران مصرّة على إحباط الجهود الهائلة التي تبذلها مصر لإخراج الفلسطينيين في قطاع غزة ومعهم «حماس» من نفق محنة قد تشهد فصولاً أسوأ، إذا انهارت هذه المساعي.
وقد يصح القول ان اجتماع وزراء خارجية تسع دول عربية في أبوظبي، التأم في اللحظة الحرجة للديبلوماسية المصرية، ليس فقط لدعمها في مواجهة الاندفاعة الإيرانية المتجددة بعد الحرب الإسرائيلية، بل كذلك لتوجيه رسالة الى «حماس»، فحواها أن الوقت لم يفت بعد للعودة الى الحضن العربي، بدلاً من الرقص على حبال نفوذ طهران وأهدافها التي لم تكلّف الإيرانيين شهيداً واحداً من بين أكثر من 1300 سقطوا في الحرب البربرية على قطاع غزة.
صحيح ايضاً ان الاجتماع الوزاري العربي في أبوظبي، عقد في مرحلة عسيرة أخرى يواجهها التمثيل الشرعي الفلسطيني، بعدما اختارت «حماس» تحويل سهام «الانتصار» الى وحدانية شرعية منظمة التحرير، لكنه كذلك جاء ليبلغ الحركة ان الوقت حان لحسم خياراتها النهائية، إذا رغبت فعلاً في إنقاذ قضية فلسطين… وليبلغ «الممانعين» مجدداً أن مبادرة السلام العربية ما زالت العملة الصعبة في مخاطبة واشنطن وهي تحاول إحياء المفاوضات.
أليست تلك رسالة أخرى الى إيران التي كانت الحاضر الغائب في اجتماع أبوظبي؟… إن توافق الوزراء التسعة على رفض التدخلات «غير المرحب بها»، لا يحجب أهمية تقدير الأضرار الجسيمة للحملات الإعلامية بين بعض الدول العربية، والتي تتسلل منها تلك التدخلات الإقليمية لتمعن في تأجيج الخلافات والصراعات العربية.
ووسط ظلام المحنة المترامية على جسد التضامن بين الفلسطينيين كما بين العرب جميعاً، ربما ولِد بعض خيوط الأمل، لأن وقف التراشق الإعلامي أرضية حتمية للتهيئة لحوار هادئ، دونه لا يمكن «تحرير» القرار العربي من خاطفيه… ومعه، لم يبق وقت لإهداره في التنازع على أولوية المصالحة الفلسطينية أو المصالحة العربية، إذا كان القرار إعادة غزة الى فلسطين، وتخليص المنطقة من الوصايات.
ولكن، مثلما آن أوان تلمّس «حماس» وقائع اليوم التالي للحرب الإسرائيلية، ومقتضيات فرصة قد تكون الأخيرة لإنقاذ وحدانية فلسطين ومشروع دولتها، حان ايضاً وقت ترجمة «الممانعين» حرصهم على التضامن العربي، أفعالاً لتفتيت جدران الشكوك والتشرذم. البديل الأكيد تسابق القوى الإقليمية على اقتسام قرار العرب ومصالحهم، في الحوار مع الإدارة الأميركية الجديدة، حين تأتي مرحلة استدراج العروض، وهي بدأت بالفعل.
لكل ذلك، يبقى دعم المساعي المصرية فلسطينياً، وإنجاح المبادرة السعودية للمصالحة العربية، شرطين لاحتواء مرحلة تكييف المنطقة مع تفاهمات «الكبار»، واجتياز القمة العربية المرتقبة في الدوحة الشهر المقبل، الامتحان الصعب… بعد المواجهة الضروس بين مصر وإيران.




















