القضية الفلسطينية، وعلى خلفية ما حدث من عدوان سافر على غزّة وأهل غزّة، لا يمكنها أن تتحمّل أكثر مما يحصل لها من متاعب واعتداءات متواصلة من الاحتلال.
بعد العدوان الاسرائيلي على غزّة، بدت القضية الفلسطينية وكأنها تعاني، إضافة الى الاحتلال، من هنات الانقسام. إذ كثيرا ما يتردد هذه الايام، مفهومان هما في الحقيقة لا علاقة بينهما. بل إنهما على طرفي نقيض. لكن المؤسف أن استعمالهما يتردد وكأن الواحد مرتبط بالآخر. هما موضوع «التهدئة» وموضوع «الحوار الوطني».
فأما «التهدئة»، فهي كلمة تعني العلاقة بين الشعب الفلسطيني ومقاومته من جهة، وبين الكيان اصهيوني كقائم بالاحتلال من جهة أخرى. أما الحوار الوطني، فهو يهمّ بالتأكيد، موضوع الانشقاق الفلسطيني، السياسي والثقافي. أي تحديدا «حماس» و»فتح» السلطة، كما يقول ذلك «أبو اللطف» رئيس الدائرة السياسية لـ: «م.ت.ف.».
لقد بالغ المتدخلون في القضية الفلسطينية، وجانبوا الصواب، عندما تجدهم يربطون بين التهدئة والحوار الوطني الفلسطيني.
إذ أن التهدئة، كما يعلم الجميع، هي موضوع يهم علاقة القائم بالاحتلال والواقع تحته فترة ما بعد الحرب أو ما بعد استعمال السلاح بين الطرفين. ولا يمكن لموضوع الحوار الوطني الفلسطيني أن يكون على صلة «بالتهدئة»، أبدا.
لأن أية علاقة بين الأمرين فيها تأكيد بأن طرفا فلسطينيا من الطرفين «فتح» و»حماس»، يتخذ له خندقا موازيا للطرف الفلسطيني، أي خندق الاحتلال.
وفي هذا الامر تأويل واتهام لا يمكن أن يرتضيه أحد لأي طرف فلسطيني مهما كان موقفه سلبيا من خيار المقاومة.
إن التهدئة بين العدو المحتل والطرف الفلسطيني الممثل للشعب الفلسطيني والناطق باسم إرادته في التحرير، لابد وأن تكون على أسس فلسطينية ثابتة، يكون الحوار الوطني والوفاق الوطني فيصلا بين كل الاطراف الفلسطينية.
القضية الفلسطينية، وبعد العدوان الشرس الذي تعرضت له غزة، وبعد آثار جرائم الحرب التي ارتكبها الصهاينة في حق فلسطينيي غزّة، نجدها تمر بمفترق مستعص وصعب. فهي قضية تعاني من افتقاد المرجعية، وهي قضية تتقاذفها سياسة المحاور والاستقطاب كما لم تتقاذفها من قبل، وهي بالمحصلة قضية تعاني من غياب الشخصية الفلسطينية التي تتمتع بزعامتية، يمكن أن ترأب الصدع في وقت قياسي وبسبل وطنية بحتة.
الحوار الوطني الفلسطيني مطلوب، والوفاق الوطني مطلب جماهيري لا غنى عنه، لكن موضوع التهدئة لا يمكن أن يكون له وجود، أو ارتباط مع أي تفاهم وطني بين الاطراف الفلسطينية. هذا ما يجب أن يعيه كل طرف فلسطيني، يؤمن بأن فلسطين للفلسطينيين.
الحوار الفلسطيني مطلب وطني في حين أن موضوع التهدئة، هو ما يحتاج الى وفاق وطني، حتى إذا ما كشّر الاحتلال عن أنيابه، وهو الذي يفعل ذلك دوما، يجد أمامه جدار صدّ عنوانه الوفاق الوطني الفلسطيني.
ذلك، حتى لا يعتقد العدو الصهيوني وحلفاؤه، أن إسكات فوهات المدافع الاسرائيلية أو إنهاء قذف غزة والضفة بالصواريخ، هو منّة منهم لا واقع اضطرّ له الاحتلال في فلسطين بفعل صمود المقاومة، تماما كما وقع ذات يوم بين الثورة الجزائرية والاستعمار الفرنسي.
المنطق يقول هنا، لا لخلط الأوراق ولا لخلط المفاهيم… ففلسطين قضية تحرّر وطني، لا قضية حرب مواقع…




















