استطاعت فضائية «الجزيرة» أن تنافس بجدارة كبرى القنوات التلفزيونية في العالم وأكثرها عراقة. هذا على رغم حداثة عهدها. وصارت حاضرة بقوة في محافل تدريس الإعلام وحلقات النقاش حول دورها في المجتمع المعولَم، سيما بعد أن وسعت بثها إلى الانكليزية وطوّرت شبكة مراسليها على نحو تحسده عليها كبرى الفضائيات. لكن كل هذا لا يجعلها خارج دائرة القراءات النقدية من الناحية المهنية ومن حيث التوجّه الإعلامي العام المعبّر عنه يوميا في برامجها الإخبارية على وجه الخصوص. وهي قراءات مهما تبلغ من حدة لا يُمكنها إلا أن تعترف للفضائية بفضلها وإنجازاتها، وهي ليست قليلة.
صحيح أن الأزمات، وهنا الحرب، هي مفاصل مهمة تُمتحن عندها وسائل الإعلام. وقد كانت الحرب الإسرائيلية على غزة الشهر الماضي حدثا مفصليا يُمكن أن نفحص من خلاله أداء فضائية «الجزيرة» وهو أداء تميزت به إبان الأزمات المشابهة، في الحرب على لبنان في تموز (يوليو) 2006، وفي الحرب على العراق، مثلا. إن متابعة التغطية للحرب على غزة أفضى بي إلى الاستنتاج بأن الجزيرة لم تكن في أفضل أيامها. بل جعلتني استنتاجاتي أعود إلى أدائها أيام أزمات سابقة. فقد بدا لي من متابعة مستمرّة أن الجزيرة، بوعي أو بغيره، اختارت أن تبثّ على القاسم الأدنى المشترك للشعوب العربية، وهو الغضب أو كل ما يُثير الغضب كالحرب على غزة وما استتبع ذلك من فظائع ومشاهد بُثّت كما هي.
صحيح أن ما حصل في غزة حصل فعلا، وان الجزيرة إنما عكسته بعدساتها المحمولة على أكتاف مصورين ومراسلين سريعي التحرك من خلال المخاطرة الفعلية. وصحيح أن هذه المشاهد فظّة تطرف العين وتلسع القلب وتثير ألف شحنة وشحنة من غضب وما تلاه من أفعال قلوب. لكن لم يخل التكرار في رأينا من تحريك مقصود للغضب ومزيد من الغضب. وهو تكرار يذكرنا بتكرار الشاشات الغربية لا سيما الأميركية لمشهد تفجير البرجين في نيويورك. أما المنهجية في استضافة متحدثين إسرائيليين رسميين وعسكريين على خلفية المشاهد الوافدة من غزة، فتندرج في الإطار ذاته، وإن جاءت تحت عنوان الرأي والرأي الآخر! أو بغطاء المهنية التي تُوجب منح الطرف الآخر فرصة الردّ والتعقيب. فالمتحدثون الإسرائيليون كمّلوا بحديثهم المهمّة التي أدتها المشاهد المكررة للقتلى والدمار من استثارة مزيد من غضب الناس. إذ لم يكن حضور المتحدثين الإسرائيليين أقلّ إثارة للتفجر والغضب من صور التقتيل والتدمير ومن قصص التقطتها العدسات! وعلى المستوى ذاته تمت استضافة بعض المعلقين المصريين الذين رُسم لهم الدور المكمّل للدور الذي لعبه المتحدثون الإسرائيليون. هنا، تم تحديد خانة التواطؤ العربي، أو التخاذل، وهو موقف يثير المزيد من غضب العرب على العرب. ولم يكن خطاب المراسلين واللغة التي يتداولونها إلا استمرارا للتوجّه ذاته، لغة منفعلة تلتقي مع غضب طبيعي يسكن العربي تجاه أي شيء خاصة تجاه إسرائيل واليهود والغرب.
وفي الاتجاه ذاته صبّت أقوال المعقبين والمحللين الذين استضافتهم الفضائية. فهؤلاء، وعلى نهج العرب، واصلوا ـ عدا قلّة ـ العوم ذاته في المساحات المفتوحة للغضب العربي العارم. يغرفون من هناك ويرمون بألفاظهم هناك. حتى من بدا منهم على هدوء وروية، أو من بدا منهم على اختلاف وعقلانية، سرعان ما كان يُغرى بالحديث الحرّ مخاطبا الغضب محركا للمشاعر.
لقد كان المشهد الإعلامي أو التمثيل الذي رسمته الجزيرة بأدائها وتوجهها غاية في تأجيج الغضب العربي من الخليج إلى المحيط. المشهد المركّب من حلقاته، البث المباشر من أرض التدمير والتقتيل، لغة غاضبة، متحدثون إسرائيليون حديثهم لا يقلّ إثارة من مشاهد يرسمونها بالقذائف، ومعقبون غبّ الطلب يتفننون في تحريك أوالية الغضب العربي، مستجوبون عرب ومصريون يلعبون دور التواطؤ أو يرسمون تداعياته إلى جانب الغضب فيزيد. كأن الجزيرة، بوعي أو غيره، مشرفة من «دوحتها» على قيادة مشروع الغضب العربي ووضعه قيد التنفيذ عبر الشاشة، وهي أقوى ميديا حسب بورديو! والأخطر أنها في كثير من المواقع المبثوثة وجّهته ضد الداخل العربي. وهو ما يزيد الصورة تسطيحا إذ أنه بقصد أو غير قصد يكرّس عجزا عربيا يُترجم بتوجيه الغضب إلى الذات العربية وإن جرى تجزئة هذه الذات، بين مناصرين لحماس وبين متواطئين مع إسرائيل!
والغضب وحده لا يكفي، فهو يقوم على صورة الضحية بامتياز. وهو موقف غير مستحبّ خاصة أن العرب مولعون فطريا بأدوار البطولة، حسب نزار قباني. ومن هنا الشق الثاني من المشهد، وهو شق البطولة من خلال رسم مشهد «الصمود الأسطوري» وما شابه من توصيفات لـ»مقاومة لا تلين». الغضب والبطولة، ثنائية الأسود والأبيض تكررت خلال رسم الجزيرة للمشهد. «مع» و»ضد» ولا مكان لرأي ثالث أو رابع أو خامس. فقد غاب عن برامجها في هذه الفترة مدّ من العرب الذين يناهضون سياسات إسرائيل من قبل ومن بعد ولكنهم لا يوافقون حماس سياساتها ويرفضون رهن المسألة الفلسطينية للمشروع الإيراني أو غيره.
إن الذهاب على خط أفعال القلوب العربية من غضب مرة وضحوية، وبطولة وصمود، ووطنية وخيانة وتواطؤ، لإنتاج تمثيلات تغرف من مشاعر العرب لا من عقولهم وتضيف عليها، يوازي في معايير المهنة التي ندرّسها لطلبة السنة الأولى في الإعلام، إقدام الإعلام في العادة على تكريس الجنس والعنف مادتين تمهدان الطريق إلى الرواج. إن ادعاءات القائمين على الجزيرة أنهم إنما يعكسون ما يحصل ليس إلا، غير مقنعة لأننا سمعنا منهم أقوالا أخرى في مناسبات أخرى، ولأننا نتوقع منهم ما لا نتوقعه من إعلام آخر! ولا نعتقد أنه تغيب عنهم حقيقة أن الشعوب العربية ليست بحاجة إلى مزيد من غضب على غضب، ولا إلى توجيه الغضب إلى الداخل العربي، وليس إلى تسجيل المواقف والمزايدة في الترحّم على الفلسطينيين بقدر الحاجة إلى صوت العقل وصورته والفكرة المشرقة!
لو أننا نقول بنظرية المؤامرة لخلصنا إلى القول إن فضائية الجزيرة قامت بشكل معكوس بدور متنفّس للغضب الذي تأجج في الشارع العربي وأنها فعلت ذلك بجدارة، لكننا نعتقد أن أداء الجزيرة كأداء العرب عامة أخفق في هذه المرة، أيضا، حين ذهب إلى الغضب ليتغذى منه وعليه دون أن يجدّ في البحث عن طريق للخروج من أنفاق غزة وسواها!
* كاتب فلسطيني.
"الحياة"




















