شهدت فرنسا الاضراب العام الأوسع يوم الخميس 29 كانون الثاني الماضي، منذ انفجار الأزمة الاجتماعية التي عبر عنها المسؤولون السياسيون الفرنسييون في خطبهم بتعبير "الشرخ الاجتماعي" المشهور في العام 1995، ومنذ أيضاً ثورة الشباب والطلاب التي اندلعت في نهاية خريف 2005.
واستناداً إلى إحصائيات النقابات الفرنسية فقد خرج ما بين مليون و2,5 مليوني شخص الى الشوارع في هذا الإضراب العام الذي عم المدن الفرنسية الكبرى، إذ شدّد المتظاهرون على خمسة مطالب أساسية شكلت هواجس الطبقات الشعبية في فرنسا، وفي مقدمتهم عمال شركات صناعة السيارات، وهي: أولاً، المحافظة على فرص العمل في القطاعين العام والخاص ودعوة الحكومة إلى التراجع عن إلغاء 30 ألف وظيفة في القطاع العام. ثانياً، تحسين القدرة الشرائية. ثالثاً، إعادة توجيه ضخ الأموال في الاقتصاد لزيادة القدرة الشرائية وتحريك العجلة الاقتصادية وحماية المكاسب الاجتماعية. رابعاً، احترام القواعد المعمول بها في قطاع العمل، وأخيراً، فرض رقابة صارمة على القطاع المالي لتحاشي تكرار الأزمة التي عرفها هذا القطاع. وسعى المضربون للضغط على الحكومة لكي تعيد النظر في خططها والتركيز على تشجيع الاستهلاك وتنشيط السوق الداخلية برفع الرواتب والحد الأدنى للأجور وإطلاق مشاريع تنموية وإنشاء بنى تحتية ضخمة تخلق مئات الآلاف من الوظائف، وتمويل صناديق التقاعد.
وفي أول تعليق له على يوم الاضراب الطويل، أكد ساركوزي أن القلق الذي تم التعبير عنه "مشروع"، وأنه سيلتقي في شباط الحالي ممثلي النقابات وأرباب العمال في حوار في شأن الإصلاحات المنوي اعتمادها خلال 2009. وقال في بيان له إن "الأزمة ذات التأثير غير المسبوق التي تطاول الاقتصاد العالمي تثير في فرنسا وكذلك في كل أنحاء العالم قلقاً مشروعاً… هذه الأزمة تتطلب من السلطات العامة واجب الإصغاء والحوار وفي الوقت عينه تصميماً كبيراً على التحرك".
ويأتي هذا الإضراب الضخم في ظل تفاقم الأزمة المالية العالمية، والإفلاسات التي هزت أركان النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. لكن المتابع لسيرورة النضالات الاجتماعية في فرنسا يلمس بوضوح أن هذه الإضرابا ت هي نتيجة التحولات العميقة التي شهدتها فرنسا باتجاه معانقة الليرالية الجديدة على الطريقة الأنكلو ساكسونية منذ أكثر من عقدين.
فاليسار الفرنسي بزعامة الرئيس الراحل فرانسوا ميتران الذي استلم السلطة في عام 1981 سجل الانقلاب الليبرالي واعتمد اقتصاد السوق مع بداية سنة 1983. وفي السنة عينها كان جاك شيراك رئيس "التجمع من أجل الجمهورية" وريث الديغولية، والذي كان ينسب نفسه إلى "العمّالية على الطريقة الفرنسية"، ويستنكر الليبرالية الفالتة من عقالها كما كانت تمارسها حكومة السيد ريمون بار، والذي كان يؤكد بأن "الموقع الاجتماعي – الديموقراطي يحتلّه سوسيولوجياً حزب التجمّع من أجل الجمهورية" وأنّ "الإلهام الاجتماعي – الديموقراطي قريبٌ من المشروع الديغولي"، قد أعلن عن "خطة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي" تقوم على ما يلي: ضرائبٌ أقلّ، دولةٌ أقلّ، المزيد من المبادرات في إنشاء الشركات يساوي التوازن في ميزانيّة الدولة والاستقرار النقدي والقدرة التنافسية الدولية. فأحلّ بذلك الليبرالية على النمط الأميركي محلّ الديغولية "الاجتماعية".
إذا كانت ركائز الديغولية الاقتصادية والاجتماعية تقوم على مزيج من الشراكة بين رأس المال والعمل ومن "التشاركيّة"، والتوفيق بين الرأسمالية والاشتراكية، فضلا عن أنها على الصعيد السياسي، ضمّت بين صفوفها ليبراليين وأنصار الاقتصاد المخطّط وحتى التقدميين، "الديغوليين اليساريين" مهما كان هؤلاء الأخيرون أقليّة، فإن ورثة الديغولية ارتدوا حلة الليبرالية الجديدة، منذ عهد الرئيس السابق جاك شيراك ولغاية الرئيس الحالي نيكولا ساركوزي، لكي تتحوّل الليبرالية الجديدة إلى علامة أساسيّة في حزب "الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"، إلى درجة محو المرجعية الديغولية.
النضالات الاجتماعية في فرنسا عامة، والانتفاضة الطلابية في أيار 1968، والانفجار الاجتماعي الكبير في عام 1995، واضطرابات الضواحي في المدن الفرنسية في كانون الأول 2001، هذه التطورات الكبيرة التي أحدثتها الليبرالية المتوحشة في المجتمع الفرنسي، تركت آثارها العميقة على الطبقة السياسية الفرنسية، سواء من اليمين أو من اليسار، ولا سيما بالنسبة للرئيس ساركوزي الذي انتخب على أساس فكرة القطيعة مع ماضي أيار 1968، والتحرر من عقدة اليمين من ذلك الماضي، والقيام بالإصلاحات الضرورية، وإن كان ساركوزي يعترف بأن "فرنسا بلد يصعب لأي كان أن يحكمه، والفرنسيون مستعدون لقلب البلاد رأساً على عقب غضباً من إجراء رمزي لا قيمة له، وقد سبق لهم أن قطعوا رأس ملكهم".
منذ توليه السلطة في عام 2007، عملت القطيعة بشكل جيد في البداية، لكن الأزمة الاقتصادية العالمية لسنة 2008، عطلت كل شيء، فتغير الخطاب السياسي، وتلاشى تماسك الإصلاحات. فحلّ الكساد محل النمو الموعود، وحلّت البطالة محل التوظيف الكامل.
فهل سيستجيب الرئيس ساركوزي للمطالب الشعبية، ويعدل سياسته الاقتصادية الاجتماعية، حتى لا تطيح الاضرابات بحكومته؟
"المستقبل"




















