بالنسبة إلى رجل كان ينظر إليه ذات مرة بأنه ألعوبة بيد الأمريكيين وشخصية انتقالية ساذجة في السياسة العراقية الفوضوية، فإن نوري المالكي قطع شوطا بعيدا. لم يكن الخيار الأول لأي شخص عندما أصبح رئيسا للوزراء في أبريل 2006، لكن المالكي تشبث بالمنصب وتنامت قوته باطراد. ويوم الخميس أعلنت اللجنة الانتخابية في البلاد أنه من بين 90 بالمائة من الأصوات التي تم فرزها، فاز التحالف السياسي الذي يتزعمه في تسع من 14 محافظة أقيمت فيها الانتخابات قبل ستة أيام.
ورغم أن المالكي نفسه لم يكن أحد المرشحين، فإنه شهد تحالف دولة القانون الذي يتزعمه يعتلي قائمة الفائزين في الانتخابات المحلية. وقد تغلب التحالف على تشكيلة من المنافسين تنوعت بين رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر والإسلاميين السنة والأحزاب العشائرية في انتخابات قال عنها مراقبون من الجامعة العربية إنها جرت في جو من "الشفافية والنزاهة". وكان الاقتراع سلميا في معظم البلاد التي شهدت في الشهور الأخيرة انخفاضا حادا في حوادث العنف، فيما بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 51 بالمائة من مجموع المؤهلين للاقتراع (10 بالمائة من الأصوات التي لم يتم فرزها هي أوراق قوات الأمن والسجناء ونزلاء المستشفيات والنازحين وغيرهم، وتشتمل كذلك على الأوراق الانتخابية التي تم الاعتراض عليها).
ويمكن للنتائج أن تغير من الحسابات السياسية في هذا البلد المعطوب. وقد نتج عنها كذلك أن أصبح المالكي مرشحا ليكون الشخصية المسيطرة في الفترة المقبلة، والتي تسبق الانتخابات الوطنية المقررة بعد عام أو نحو ذلك. والأهم من ذلك أن الانتخابات توحي بأن العراقيين مدفوعين أكثر بالبراغماتية أكثر من الدين والعشائرية، وقد يكونون في طور النضوج كناخبين. يقول مستشار غربي لحكومة المالكي غير مصرح له بالحديث نيابة عن الحكومة: "كان الناس يقولون «لقد سئمنا من الناس الذين يحدثوننا عن الدين. نريد خدمات، ونريد سلعا وليس صلوات»". و"المفاجأة الكبرى أن الانتخابات أصبحت قائمة على القضايا وليس الدين أو القرابة".
وكان المالكي هو الذي أطلق هذه النزعة. فهذا السياسي المحصور في حزبيته وشيعيته، والذي كان يخشى أن يبدأ كرئيس للوزراء بالسعي نحو الثأر من الأقلية السنية التي سيطرت على العراق في عهد صدام حسين، اتخذ لنفسه موقفا مغايرا كرجل صلب همه الأكبر الأمن. وكذلك صور نفسه كرجل على استعداد للوقوف في وجه الولايات المتحدة. مع ذلك فإن سياساته العام الماضي فصلت لتقترب من خريطة الطريق الأمريكية. فقد أعاد المسرحين من الجيش العراقي وسعى لتسوية مع السنة وللمصالحة الوطنية وحارب مليشيات السنة والشيعة على حد سواء. ورسم لنفسه صورة الزعيم الوطني، وقاد شخصيا الحملات العسكرية في كل من الموصل والبصرة، ووقف في وجه الأكراد، الأمر الذي ربما أزعج الأمريكيين ولكنه حاز رضا رفاقه العرب.
وكما يبدو فإن المالكي عدل من طريقة عمله. فبينما يعد حزب الدعوة الذي يتزعمه مركزيا وإيديولوجيا، بل متصلبا، فإن من الواضح أن المالكي جند مرشحين كان ينظر إليهم في الأصل على أنهم قادة فعالون في مناطقهم. وقد شدد هؤلاء المرشحون على قدرتهم على تحقيق ما يسعون إليه. يقول حسن السنيد عضو البرلمان العراقي عن حزب الدعوة في حديث لنيوزويك: "تظهر [نتائج الانتخابات] أن المواطن العراقي يتمتع بدرجة كافية من الوعي بحيث لم يتأثر بالدعاية الإعلامية. وبدلا من ذلك نجد أن المواطن العراقي اختار من يمثله حقا وكان [لأمور مثل] الكهرباء الكلمة الأخيرة".
من الواضح أن العراقيين تجاوزوا كل المخاوف الطائفية أو القبلية بالنسبة إلى المرشحين الذين يستطيعون أن ينفذوا وعودهم. ومن ذلك أن الناخبين في كربلاء، وهي محافظة في أواسط العراق تضم المدينة المقدسة التي تحمل الاسم نفسه، رفضوا النزعة المؤيدة للمالكي ودفعوا بقائمة المالكي إلى المرتبة الثالثة وانتخبوا بدلا منها القائمة التي يتزعمها يوسف ماجد الحبوبي المعروف عنه بأنه بعثي سابق. ليس للحبوبي شهرة وطنية كبيرة، ولكنه معروف كعمدة فعال لبلدات صغيرة في المنطقة. وفي هذه الأثناء فإن الحكومة المحلية في المحافظة بيد حزب الدعوة المتهم بعدم الكفاءة والفساد. والخلاصة هي أن سجل إنجاز يثبت القدرة على تقديم الخدمات الأساسية قد هزم شعارات الأحزاب.
يقول المستشار الغربي: "هذا أمر غير عادي بالنسبة إلى العراق، فهم يصوغون الآن نموذجا جديدا وقد قوضوا بعض الثوابت الكبيرة فعلا. وهذا يؤكد أن الحرب قد انتهت في ديسمبر وبدأ العراق الجديد في الأول من يناير وأنه يرسم بسعادة الطريق الديموقراطي الجديد". وحسب الدكتور تحسين شيخلي الناطق باسم الخطة الأمنية في بغداد، فإن حقيقة أنه لم يحقق أي من الأحزاب أو الائتلافات فوزا كاسحا ــ حيث فاز تحالف المالكي بأعلى نسبة بلغت 38 بالمائة في بغداد ــ تدل على أنه لن يسيطر حزب واحد على المجالس المحلية. ويقول في تصريح لنيوزويك: "سيكون هنالك توازن في النفوذ".
وهناك اختبار آخر يتمثل في كيفية إدارة البلاد لهذا الفعل التوازني في الشهور المقبلة. وبالرغم من أن تحالف المالكي كان الرابح الأكبر، فإن أداء الصدريين والإسلاميين كان جيدا أيضا، مع أن بعض الأحزاب الدينية الصغيرة خسرت مكاسب كانت قد حققتها. جاء المتحالفون مع الصدر وأولئك المرشحون عن المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق في المرتبة الثانية أو الثالثة في الكثير من المحافظات، بما فيها بغداد (حيث حل الصدريون في المركز الثاني بنسبة 9 بالمئة من الأصوات فقط)، والبصرة (حيث فاز المجلس بنسبة 11.6 بالمائة وحلف المالكي بنسبة 37 بالمائة)، والنجف (حيث تخلف مرشحو المجلس عن حلف المالكي بنسبة 2 أقل من بالمائة)، وكذلك في ذي قار وميسان (حيث حل الصدريون في المركز الثاني من دون فارق كبير عن حلف المالكي)، والقادسية وواسط، حيث تخلف المجلس عن المالكي ببضع نقاط مئوية.
المالكي وحلفاؤه إسلاميون كذلك ولكن علاقتهم بالصدريين ذات طابع عدائي، بل كان الصدر في مناسبات كثيرة يحض أتباعه على الثورة على الحكومة. يقول السنيد، النائب عن حزب الدعوة، لدى سؤاله عن رأيه في العمل إلى جانب الصدريين: "سيقف تحالفنا في المرحلة المقبلة مع من يؤمنون بدولة القانون وتطبيق الدستور وحق المواطنين في ممارسة حقوقهم. ومن يؤمن بذلك سيكون حليفنا". قليل من الناس يعتقد أن هناك تقاربا في الرأي بين الصدريين وائتلاف المالكي.
وهناك بضع بؤر مشاكل أخرى. ففي نينوى، ذهبت 48.4 بالمائة من الأصوات إلى قائمة الحدباء الوطنية، وهي مجموعة تضم في معظمها قوميين عرب يسعون للحد من نفوذ الأكراد الذين جاؤوا في المرتبة الثانية بنسبة 25.5 بالمائة. وقد يتصادم الفريقان بينما تستعد البلاد لانتخاب برلمانها الوطني المقبل. وبالفعل فإن القضية الكردية تظل مشكلة مؤجلة. لم تشمل انتخابات 31 يناير أربع محافظات، ثلاث منها تشكل إقليم الحكم الذاتي الكردي، والرابعة هي كركوك، وهي موضوع نزاع مرير بين بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل التي تصر على أن تضم كل المحافظة إلى نفوذها.
لقد أطلقت الانتخابات المحلية موسما سياسيا سوف يستمر حتى تعقد الانتخابات الوطنية في الفترة ما بين نهاية 2009 وربيع 2010. وسوف تحاول الأحزاب والتحالفات قضاء الشهور المقبلة في محاولة مطابقة أو تحسين أدائها على المستوى الوطني. وبالنسبة إلى المالكي وشركائه، تكمن المسألة في مدى قدرته على تطبيق الاستراتيجيات التي سخرت في الانتخابات المحلية لضمان عودة رئيس الوزراء إلى الحكم في فترة جديدة. أما بالنسبة إلى العراق، فإن السؤال هو إن كان باستطاعة هذا العدد الهائل من الأحزاب ومجموعات المصالح أن تصوغ سياسات ديموقراطية جديدة، من دون السقوط من جديد في الاتهامات والاتهامات المضادة والفوضى.
بمشاركة سعد العزي
تاريخ النشر: الثلاثاء 17/2/2009
"نيوزويك"




















