سميح صعب
اسرائيل غير مستعدة للسلام بعد. هذا أقل ما يمكن استخلاصه من نتائج الانتخابات الاسرائيلية التي أحكمت قبضة اليمين والاحزاب الدينية الرافضة لعملية السلام على الكنيست. الفئة الاكبر في المجتمع الاسرائيلي لا تريد السلام ولذلك اقترعت لليمين المعارض لعملية السلام سواء مع الفلسطينيين او مع بقية الدول العربية.
وليس صحيحاً ما يقوله معتدلون ومثقفون عرب من ان صواريخ "حماس" هي التي اعادت نتنياهو الى السلطة. فهم بذلك يصورون اسرائيل أنها كانت قاب قوسين او ادنى من السلام، او انها كانت توشك على توقيع اتفاق سلام مع الفلسطينيين ثم أتت صواريخ "حماس" لتعطّل هذا الاتفاق. فلماذا لا يسأل الذين يلومون "حماس" الرئيس الفلسطيني محمود عباس عما أعطته اسرائيل خلال سنة من المفاوضات وعدد من القمم فاق العشر مع ايهود اولمرت منذ مؤتمر انابوليس وحتى اليوم؟
وهناك من يقول ان من مصلحة "حماس" عدم حصول تسوية مع اسرائيل. ومن اجل عدم حصول التسوية يجب ان تكون هناك حكومة متشددة في اسرائيل ترفض التسوية.
هذا كلام سطحي وتبسيط للأمور يصوّر "حماس" كأنها حركة بعيدة كل البعد عن السياسة، او انها لا تدرك قوانين اللعبة السياسية.
ان المفاوضات التي انخرطت فيها "حماس" من اجل التهدئة تُعطي انطباعاً مغايراً. فمنذ انتهاء تهدئة الاشهر الستة في كانون الاول طالبت الحركة بفتح المعابر شرطاً لتجديد التهدئة. وقابلت اسرائيل ذلك بتصعيد عسكري وصولاً الى الحرب التي كانت إحدى وظائفها الاساسية، انتخابية. ولما لم تنتهِ الحرب بسقوط "حماس"، عادت اسرائيل الى التفاوض غير المباشر لتحقيق تهدئة جديدة.
ومن خلال المفاوضات التي جرت في القاهرة ودمشق والدوحة وانقرة وطهران، أظهرت "حماس" قدرة على ممارسة سياسة واقعية. ولكن في مقابل هذه الواقعية السياسية، كان هناك مجتمع اسرائيلي ينجرف اكثر فأكثر نحو التطرف ورفض السلام.
فبنيامين نتنياهو عاد الى الحياة السياسية لأنه يرفض المفاوضات مع الفلسطينيين ويكتفي بعرض "السلام الاقتصادي".
وافيغدور ليبرمان بات القوة الثالثة في اسرائيل لانه يطالب بالتضييق على عرب اسرائيل وصولاً الى تهجيرهم بالكامل من الاراضي المحتلة عام 1948.
ولم يجدِ ايهود باراك استخدام الفوسفور الابيض في غزة في رفع اسهمه لدى المشككين في بطشه بالفلسطينيين.
لكن التطرف الاسرائيلي سيف لا يُشهر اليوم فقط في وجه الفلسطينيين والعرب وايران، بل هو عقبة كأداء سيواجهها الرئيس الاميركي باراك اوباما الذي يعتزم اعادة اطلاق مسارات التفاوض في المنطقة.
وبعد اتفاق التهدئة لن تكون "حماس" العقبة، واذا ما كللت مساعي المصالحة بين "فتح" و"حماس" بالنجاح فلن تغدو الاخيرة هي المعرقل لعملية السلام في المنطقة.
واذا ما انطلق حوار اميركي – ايراني، كما هو متوقع، فسيصعب القول ان ايران تقف حجر عثرة امام العملية السلمية.
وسيجد باراك اوباما نفسه في مواجهة حكومة اليمين المتطرف في اسرائيل، مع ما سيستتبع ذلك من جمود للمفاوضات على المسار الفلسطيني ومن توسيع للاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية، واستكمال لجدار الفصل وقضمه مزيداً من الاراضي الفلسطينية. وسيتبع ذلك توتر مع لبنان وسوريا ويزيد من احتمالات انفجار حرب شاملة في المنطقة.
هذه هي سمات حكومة يمينية متطرفة يقودها نتنياهو. ولن تكون مهمة اوباما سهلة، إن لم تكن مستحيلة، في ظل هذا الوضع في اسرائيل، ولا سيما ان احتمالات الضغط الاميركي ستكون محدودة إلا اذا تصرفت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون كما تصرف وزير الخارجية سابقاً جايمس بايكر الذي قال لاسحق شامير بعدما أعيته الحجة في اقناعه بالذهاب الى مؤتمر مدريد، انه عائد الى الولايات المتحدة والحكومة الاسرائيلية تعرف رقم هاتف البيت الأبيض. هل من وزير اميركي بقادر اليوم على ان يقول مثل هذا الكلام الى نتنياهو؟




















