تمخّضت الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت أخيرا، عن صعود اليمين واليمين المتطرف القومي والديني، وتراجع نفوذ الوسط واليسار، في المجتمع الإسرائيلي.
الآن، وبغض النظر عن تقييم هذه النتائج، وتقييم صدقية التيارات الإسرائيلية، بشأن عملية التسوية، ثمة أسئلة تطرح نفسها على الفلسطينيين، فمثلا، ما العمل بعد الانتخابات؟ وماذا بشأن اعتماد خيار المفاوضات والتسوية، خيارا وحيدا لهم؟ وما هي الخيارات الأخرى المتاحة، أو الممكنة، في هذه الظروف المعقّدة والصعبة؟
وقد تبدو هذه الأسئلة جدّ متأخرة، فقد عملت إسرائيل، منذ خمسة عشر عاما (هي عمر عملية التسوية)، على تدمير هذه العملية بطريقة ممنهجة ودؤوبة، بشكل أو بآخر، سلما وحربا.
وربما كان واضحا، منذ زمن، لكل من يريد أن يرى، أن التسوية التي تتوخّاها وتراهن عليها القيادة الفلسطينية، والتي تتأسّس على إقامة دولة مستقلة في الضفة والقطاع، وعاصمتها القدس الشرقية، مع حل عادل لقضية اللاجئين، غير موجودة في القواميس الإسرائيلية. كما كان واضحا أن ثمة إجماعاً إسرائيلياً، لا تنازل عنه، يتمثل باعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، والحفاظ على الكتل الاستيطانية في الضفة، وعدم تحمّل أي مسؤولية بشأن حل قضية اللاجئين.
وفي هذا الإطار فقد حكمت علاقة إسرائيل بالفلسطينيين ثلاثة مسارات، المسار الأول، يتمثل بتلاعبها بعملية التسوية، وسدّ أفقها، وجعلها بلا معنى، عبر توسيع وتعزيز الأنشطة الاستيطانية، وبناء الجدار الفاصل، والتضييق على الفلسطينيين، وإضعاف السلطة، وفرض الحصار على غزة بعد الانسحاب الأحادي منها سنة 2005.
أما المسار الثاني، فيتمثل بشنّها حروباً مدمرة ضد الفلسطينيين، منذ رفضوا الانصياع لإملاءاتها في مفاوضات كامب ديفيد 2 عام 2000. وقد بيّنت إسرائيل، باستخدامها القوة الوحشية (في الضفة عام 2002 و2003 وفي غزة أخيرا) بأنها لا تلقي بالا للفلسطينيين، ولا تعاملهم كشركاء، ولا كجيران، وكأنه ليس ثمة عملية تسوية، وهذا ينطبق على مؤسسات السلطة التي دمّرتها اسرائيل في الضفة والقطاع.
وبالنسبة الى المسار الثالث، الذي عملت عليه إسرائيل، فيتمثل بالتملص من استحقاقات التسوية، بدعوى مراعاة حساسية قطاعات من المجتمع الإسرائيلي، وبدعوى غياب الإجماع بين تياراتها السياسية. وفي ذلك فقد كانت الديموقراطية الإسرائيلية، وضمنها التوجه لانتخابات مبكرة تلو الأخرى، هي الوسيلة التي أخرجت، أو برّرت، فيها إسرائيل، تملّصها من عملية التسوية حتى الآن.
على أية حال يجد الفلسطينيون أنفسهم مجددا أمام انتخابات تمخّضت عن صعود حزب «الليكود»، بزعامة نتنياهو، الذي يدعو صراحة للتراجع عن فكرة «الأرض مقابل السلام»، لصالح فكرة «السلام من أجل السلام»، على الصعيد العربي، ولصالح فكرة إنشاء سلام اقتصادي مع الفلسطينيين، لتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وبقاء سلطتهم كإدارة ذاتية، بمعنى الحفاظ على واقع الاحتلال.
أما حزب «إسرائيل بيتنا»، فهو إذ يتقاطع مع «الليكود» في ما يطرح، إلا أنه يزايد عليه بضرورة إخضاع الفلسطينيين بالقوة، وبمزيد من القوة، كما يزايد عليه في وجهة النظر العنصرية، المتمثلة بإخراج فلسطينيي 1948 من إطار المواطنة الإسرائيلية، في محاولة منه للإجابة على تحدي ما يسمى بالخطر الديموغرافي.
في المقابل فإن النتائج بيّنت انحسار نفوذ حزب العمل، الذي فقد منذ زمن هويته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولم يعد ثمة ما يميزه لا عن «الليكود» ولا عن «كاديما». ومعلوم أن زعيم هذا الحزب، أي ايهود باراك، هو الذي وقف وراء تقويض عملية التسوية (إبان رئاسته للحكومة 1999 – 2001)، بتهرّبه من استحقاقات المرحلة الانتقالية من اتفاقات أوسلو، وبتحوله نحو التفاوض حول قضايا الحل النهائي، وهو ما جرى في مفاوضات كامب ديفيد 2 (2000)، التي أخفقت. وهو مسؤول أيضا، عن اندلاع الانتفاضة في أيلول (سبتمبر) 2000، وتحوّلها الى مواجهات عسكرية عنيفة، بسبب استخدامه القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، وهو المسؤول عن اعتبار أن القيادة الفلسطينية لم تعد شريكا في السلام. وأخيرا فإن باراك هو الذي قاد الحرب الإجرامية الوحشية الاخيرة، من موقعه وزيرا للدفاع، ضد قطاع غزة.
وبالنسبة الى حزب «كاديما»، فهو الحزب الذي أيد الانسحاب الأحادي من قطاع غزة، من دون اتفاق، وهو يعتقد أن بإمكانه فرض التسوية على الفلسطينيين برغبتهم أو رغماً عنهم، وهو الذي اخذ على عاتقه وأد مقاومة الفلسطينيين، بالقوة وبالمزيد من القوة، وهو ما حصل خلال الحرب على قطاع غزة.
إزاء هذه الحقائق لم يعد ثمة مناص أمام الفلسطينيين من مراجعة خياراتهم السياسية، وعدم حصرها بخيار واحد، والبحث عن خيارات بديلة أو موازية، خصوصا بعد انسداد خيار الدولة المستقلة، وربما يمكن أن يسهّل ذلك عليهم استعادة وحدتهم، ويمكنهم من تعزيز أوضاعهم، لمواجهة تحديات المرحلة القادمة.
وهكذا ثمة خيارات عديدة أمام الفلسطينيين، أولــــها يتــمثل باستمرار الوضع الحالي، أي الاستمرار بخيار المفاوضات وعملية التسوية، بغض النــــظر عـــمّن يحكم إسرائيل، وهو الخيار الأكثر كلفة، إذ أنه يمكن أن يفاقم حدة الانقسامات الفلسطينية، كما انه يضعف السلطة أمام شعبها، ويعزز قدرة إسرائيل على فرض املاءاتها بالاستيطان والجدار الفاصل والتهويد، وباستخدام القوة المفرطة ضد الفلسطينيين.
في مقابل ذلك، ثمة خيار الدولة الواحدة الديموقراطية العلمانية (دولة مواطنين أو ثنائية القومية)، التي تعيد فتح الصراع على مستقبل فلسطين، وعلى مستقبل المشروع الصهيوني في المنطقة بتجلياته كافة. وعلى رغم أن هذا الخيار هو بمثابة الحل الأمثل لمختلف تجليات الصراع ضد المشروع الصهيوني، إلا انه مستحيل في المعطيات الحالية، على رغم أن إسرائيل بإصرارها على دوام الاحتلال، والسيطرة على الفلسطينيين، تخلق ممهدات لهذا المسار، بقوة الأمر الواقع.
أيضا، ثمة خيار يتمثل بحلّ السلطة، من دون أن يعني ذلك إنهاء وضعها تماما، كقيادة للفلسطينيين في الأرض المحتلة، وإنما القصد من ذلك إنهاء وظيفتها التفاوضية. ويمكن طرح هذا الخيار، كخيار مقاومة شعبية بين أشكال مقاومة أخرى، كتحد للسياسة التي تنتهجها إسرائيل، ووضعها أمام مسؤولياتها كدولة محتلة، إزاء احتمالين يمكن أن يتمخّض عنهما هذا الوضع عليها، إن بتكرّسها كدولة استعمارية عنصرية لا ديموقراطية، أو انتهاء طابعها كدولة يهودية، وتحولها الى دولة ثنائية القومية، بحكم الأمر الواقع أو بحكم القانون، والقبول المتبادل.
الخياران الأخيران هما بالطبع من طبيعة صراعية وطنية، لكن ثمة خيارات أخرى، تصبّ في إطار خيارات إقليمية، تراهن إسرائيل عليها وتدفع باتجاهها، بالسياسة والحرب والحصار والانقسامات، لتقويض المشروع الوطني الفلسطيني، الذي برز في الستينيات.
* كاتب فلسطيني
"الحياة"




















