يمكن للحاخام مئير كاهانا أن يرقد بسلام وطمأنينة: عقيدته انتصرت. بعد عشرين سنة على رفض قائمته، وبعد 18 عشر عاما على اغتياله، تحولت الكاهانية الى نهج شرعي في الخطاب العام المركزي في اسرائيل. اذا كان ثمة ما يميز هذه الحملة الانتخابية الخاوية، فهو تحويل العنصرية والشوفينية الى قيم مقبولة.
لو كان كاهانا حياً وتنافس في انتخابات الكنيست الثامن عشر، فلن يتوقف الامر على عدم استبعاد قائمته بل كان سيفوز باصوات كثيرة على غرار قائمة "اسرائيل بيتنا". المحظور اصبح مباحا، والمنبوذ اصبح مقبولا والمكروه اصبح موهوبا وكفؤا هذا هو المنحدر الشديد الذي تدهور اليه المجتمع في اسرائيل خلال العقدين الاخيرين.
ليس ثمة حاجة للتوقف عند الاكتشاف المدوي الذي كشفت عنه صحيفة هآرتس، والذي يفيد أن افيغدور ليبرمان كان عضوا في حركة "كاخ" في شبابه. الجواد الاسود لهذه الحملة الانتخابية كان وبقي كاهانيا. الفوارق بين "كاخ" وبين" اسرائيل بيتنا" طفيفة جدا، ليست مبدئية وهي بالتاكيد ليست موجودة في المستوى الاخلاقي. يدور الحديث عن اختلاف على مستوى التفاصيل التكتيكية: ليبرمان يدعو الى "اختبار ولاء" فاشي كشرط لاعطاء المواطنة للعرب في اسرائيل، وكاهانا دعى لحرمانهم من مواطنتهم من دون شروط. عنصري واحد (ليبرمان) يدعو لنقلهم للدولة الفلسطينية، وعنصري آخر (كاهانا) دعا الى طردهم.
الان يوشك مبتدع العنصرية الاسرائيلية الجديدة على التحول الى قائد لحزب كبير، على ما يبدو سيكون شريكا في الحكم مرة اخرى: فقد تعهد بنيامين نتنياهو بأن ليبرمان سيكون في حكومته وزيرا مهماً. لو ان شخصا شبيها به انضم الى حكومة ما في اوروبا لقطعت اسرائيل العلاقات معها. ولو ان احدا ما توقع في أيام كاهانا البائسة بان الوعد بتحويل خليفته الى وزير مهم سيعتبر هنا ذات يوم ذخرا انتخابيا، لقالوا ان هذا كابوس. ولكن الكابوس اصبح هنا والان.
كاهانا حي يرزق، وهو كذلك في شخصية خليفته البلطجي. لا يتعلق الأمر برفض حزب " إسرائيل بيتنا" فحسب؛ ولا يتعلق الأمر فقط بتعاظم قوته بشكل كبير، وتحوله إلى كفة الميزان التي ستحسم وتحدد هوية رئيس الحكومة. يتعلق الأمر بالمشروعية، بالمسؤولية التي يتحملها المجتمع كله.
لقد نُبذ كاهانا، أما ليبرمان فهو ضيف مدعو إلى كل استديو وصالون. تصوروا أن إيهود باراك لا يرفض الشراكة مع ليبرمان في ائتلاف حكومي؛ وعوزي لنداو، الذي يُعتبر ديمقراطياً، هو الآن المرشح رقم اثنين؛ وهناك سفير سابق كبير ( داني أيالون، السفير السابق في واشنطن) ومفوض عام سابق للشرطة موجودين ضمن قائمة ليبرمان. هل كنا نعرف أن من يمثلنا في واشنطن هو شخص عنصري ومعروف اسمه داني أيالون؟ هل عرفنا أن قائد شرطة الحدود ونائب مفوض الشرطة اسحاق أهرونوفيتش كان عنصريا؟. ليبرمان وجنوده يُحملون على موجة الكراهية للعرب والديمقراطية وسلطة القانون، وعلى منصة الشوفينية والعنصرية والتعطش للدم، تلك الامور التي تحولت، بما يثير الفظاعة الشديدة، الى ذخر انتخابي هو الأكثر سخونة في السوق. هو مثل كل الشخصيات السياسية التي على شاكلته يؤجج المشاعر المتدنية في الصهيونية، خصوصا في اوساط ابناء الشرائح الضعيفة، الفقيرة، المنبوذة والقادمين الجدد، و لكن ليس هناك فقط. شبان كثيرون ومن بينهم جنود مغسولو الادمغة يعطونه صوتهم. لا ينبذهم احد. هو اختار لنفسه هدفا سهلا وضعيفا نسبيا، العرب في اسرائيل، وها هو يضرب انصاره بهم. ولكن عقيدته تغلغلت أيضا الى ما هو ابعد من ذلك.
ليبرمان هو صوت الجمهور، وهذا الجمهور متعطش للكراهية والانتقام والدم. حرب عدمية مع مئات الاطفال القتلى استقبلت هنا بالتعاطف، ان لم نقل بالفرحة. حاولوا استبعاد القوائم العربية بمبادرة من احزاب من الوسط ومن اليسار، وهذه القوائم مستبعدة مسبقا من اية حسابات سياسية. الطلاب العرب لا يستطيعون استئجار شقة. عندما ستندلع هنا ذات مرة انتفاضة للعرب في اسرائيل سنعرف من الذي نوجه اليه اصابع الاتهام من حرض بصورة اجرامية ضدهم، وبدرجة لا تقل عن ذلك من حوّل هذا التحريض الى مسألة مقبولة وشرعية.
("هارتس" – 8/2/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل
المستقبل




















