- هجوم البنك الدولي على حقوق ومكاسب العمال في التأمينات الاجتماعية
- مؤسسة التأمينات الاجتماعية قوية ولديها القدرة المالية الكافية للقيام بواجباتها التأمينية تجاه العمال
- مؤسسة التأمينات الاجتماعية لها ديون على الدولة /55/ مليار ليرة سورية ولها ديون على مؤسسات القطاع العام /45/ مليار ليرة سورية ديون متراكمة عن اشتراكات عمالها لم تسددها حتى الآن
- واجب نقابات العمال والاتحاد العام لنقابات العمال مطالبة الحكومة تسديد ديونها للتأمينات الاجتماعية مع فوائدها المالية
عمر قشاش
على أثر الأزمة المالية التي عصفت بقلعة الرأسمالية الربحية العالمية وبدأ الانهيار الكبير الذي واجه العالم في صباح 15/9/2008 ومفاعيله مستمرة، هو تكرار للرأسمالية العالمية التي تتكرر باستمرار بين فترة وأخرى منذ عام 1929م وانهيار البورصات الأميركية حينها وأزمة عام 1987م وأزمة عام 1997م في آسيا، كلها أزمات دورية في النظام الرأسمالي العالمي…
ليست أزمة مالية صرفة، بل تمتد خاصة إلى الاقتصاد الأميركي الاستهلاكي أكثر منه إلى الاقتصاد الإنتاجي حيث تراجعت مبادئ المنظومة الإنتاجية ليحل محلها الاعتماد على الخدمات وخاصة على القطاع العقاري الذي يساهم بحدود 20% من الدخل الوطني الأميركي…
إن بذور الأزمة الأخيرة بدأت عام 1971م عندما قررت أميركا فك الارتباط بين الدولار الأميركي والذهب، وكان هذا التدبير هو عن إعلان مرحلة جديدة للنظام الرأسمالي تعبر عن مرحلة الليبرالية الاقتصادية وتراجع دور الدولة في الحياة الاقتصادية، وتحرير أسعار الفائدة وأسعار الصرف…
إن خسائر هذه الأزمة الرأسمالية كبيرة جداً حسب تقدير الاقتصاديين في العلوم المالية تقدر بأكثر من /5000/ مليار دولار…
إن هذه الأزمات الاقتصادية الدورية تترافق دائماً مع أزمات اجتاعية وحتى سياسية، فقد تم تسريح أكثر من /100/ ألف موظف في أميركا وحدها نتيجة لهذه الأزمة، ويوجد الآن على لائحة التسريح أكثر من /50/ ألف موظف آخر، كما أن (بنك باركليز البريطاني) سرّح /5000/ موظف…
وقد أصبح معلوماً أن هذه الأزمة تذكرنا بالنظرية الماركسية عن الأزمة العامة الدورية للنظام الرأسمالي العالمي نتائجها وحلولها تجري على قاعدة النظام الرأسمالي الدولي، وأضرارها الكبرى على حساب إفقار العمال والفلاحين وذوي الدخل في داخل البلدان الرأسمالية وعلى حساب شعوب البلدان النامية، ودليل أيضاً على إفلاس نظرية (فوكوياما) المبشر بأن الرأسمالية هي نهاية التاريخ، أن الشعوب بحاجة لنظام جديد يوفر لها الحرية والأمن والاستقرار…
والجدير بالذكر هنا أنه بعد كل هذا الفشل المروع والخسائر الكبرى للرأسمالية العالمية، فإن البنك الدولي مستمر في تقديم النصح ومفاهيم الليبرالية الجديدة التي لم تجلب إلاّ الفشل والخراب والأضرار الاقتصادية للشعوب، والهجوم على مكاسب الطبقة العاملة التي حصلت عليها من خلال النضال والتضحية لعشرات السنين…
إن الطبقة الرأسمالية في سورية التي اغتنت ونمت بشكل كبير خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن الماضي وحتى الآن، وقد أصبح بعضها من أصحاب المليارات السورية نتيجة التسهيلات والتدابير الاقتصادية التي قدمتها الحكومة لها. ومن خلال شدة استثمار الطبقة العاملة السورية للحد الأقصى، فرض دوام العمل اليومي /12/ ساعة على العمال، وحرمانهم من كثير من حقوقهم وأتعابهم القانونية…
وفي هذا الإطار فإن برامج ونصائح البنك الدولي تطالب الحكومة السورية الآن بإطلاق يد القطاع الخاص، وتقليص دور الدولة في الرعاية الاجتماعية، وكانت آخر نصيحة لها بالإضافة إلى السير بنهج الليبرالية الاقتصادية طرح جديد لمسألة (إصلاح نظام التقاعد للعمال)…
وقد جرى بحث ذلك في الاجتماع المكرس لهذه الغاية حضره ممثلون عن أصحاب القرار الاقتصادي، وممثلون عن البنك الدولي وممثلون عن العمال في مجلس إدارة مؤسسة التأمينات الاجتماعية…
ويتلخص اقتراح البنك الدولي بتخفيض الاشتراك في التأمينات الاجتماعية من 24% إلى 14% على أن تصبح حصة العامل 4% من راتبه، وحصة رب العمل 10% وتخفيض نسبة حساب المعاش التقاعدي من 2.5% إلى 1.7% عن كل سنة خدمة، والبدء في تنفيذ هذا الاقتراح على العمال بعمر 40 سنة وما دون بصرف النظر عن سنوات الاشتراك، وهذا يعني تخفيض الراتب التقاعدي من 75% إلى 60% من الراتب ما قبل التقاعد لمن بلغ السن القانونية وسنوات الخدمة المقررة…
تبرير ممثل البنك الدولي تجلى فيما يلي:
1- عدم قدرة مؤسسة التأمينات الاجتماعية على الاستمرار في دفع استحقاقات العمال في ظل النسب القديمة حيث تتعرض بحلول عام 2017 إلى أزمة مالية خطيرة…
2- إن تخفيض نسبة اشتراك رب العمل عن عماله يخفض من تكاليف الإنتاج ويساعد أرباب العمل على زيادة قدرتهم التنافسية أمام السلع الواردة من الخارج، وبعد أن تم تحرير الاقتصاد السوري، ونسقط حجج أصحاب العمل عن عدم تسجيل عمالهم بالتأمينات الاجتماعية بسبب ارتفاع حصة رب العمل…
إن الادعاء بأن حصة رب العمل في التأمينات الاجتماعية عالية وضريبة لا يستفيد منها هو ادعاء تدحضه الوقائع والأرقام مقارنة بعدد من الدول العربية والأجنبية…
في الجدول التالي مقارنة بسيطة تدحض ادعاءات أصحاب العمل:
|
الدولة |
النسبة |
الدولة |
النسبة |
|
سورية |
24% |
استراليا |
42% |
|
الكويت |
25% |
إيطاليا |
39% |
|
اليمن |
24% |
رومانيا |
55% |
|
مصر |
33% |
إسبانيا |
37.83% |
|
ليبيا |
40% |
اليونان |
35% |
|
السودان |
24% |
هنغاريا |
45% |
|
فرنسا |
49% |
ألبانيا |
49% |
إن هذه الأرقام موثقة من خلال دراسة أعدها المدير العام للتأمينات الاجتماعية (خلف العبد الله) عن إشكالية التهرب الضريبي منشورة في مجلة التأمينات الاجتماعية ـ العدد /15/ آذار 2008
لذلك فالاشتراك بالتأمينات مقارنة بالدول الأخرى يعتبر مقبولاً إن لم يكن أقل من المعمول به في نظم التأمينات الأخرى…
الجدير بالذكر هنا أن إدّعاء صاحب العمل أن اشتراكه بالتأمينات الاجتماعية ليس سوى ضريبة مجبر على دفعها بدون مقابل، إن هذا الادعاء ليس صحيحاً، نذكر الوقائع التالية:
الاشتراك التأميني يدفعه صاحب العمل مقابل منفعة شخصية لقاء ذلك من خلال إعفائه من أي التزام مالي تجاه العامل المؤمن عليه…
إن التأمينات الاجتماعية تقوم بواجبها على أكمل وجه وتمنح عمال صاحب العمل المشترك معاش الشيخوخة عند توفر الشروط اللازمة وتعوض العامل المصاب بطارئ عمل عن الإصابة إذا كانت نسبة العجز أقل من 35% تعويض الدفعة الواحدة، وإذا كانت نسبة العجز لديه 35% وأكثر يدفع للعامل تعويض دائم عن نسبة العجز لديه بالإضافة إلى معاش الوفاة الطبيعية والعجز الطبيعي…
لقد أعطى قانون التأمينات الاجتماعية مؤسسة التأمينات الاجتماعية كمؤسسة وطنية حقوق وصلاحيات كاملة بالتأمين على عمال الوطن، وإيصال هذه الحقوق إلى العامل، من خلال نشاطها المستمر لتوفير الأمان والاستقرار الاجتماعي للعامل المؤمن عليه ولأفراد أسرته خلال سنوات العمل وبعد مرحلة العمل عند إحالته على التقاعد…
1- إن المؤسسة لديها الآن وفرة مالية وإمكانيات واسعة لتأمين كامل واجباتها وخدماتها للعمال…
2- إن الوضع المتأزم لمؤسسة التأمينات الاجتماعية لا يعالج حسب رؤية البنك الدولي بتخصيص إيراداتها القانونية بل العكس يتطلب قبل كل شيء من الدولة تسديد ديونها للتأمينات الاجتماعية البالغة /55/ مليار ليرة سورية هي أموال مع فوائدها جمعت من أتعاب العمال منذ عام 1959م حتى بداية عام 2008
3- واجب الحكومة السعي لإلزام مؤسسات القطاع العام تسديد التزاماتها المالية المستحقة بذمتها لصالح مؤسسة التأمينات الاجتماعية /45/ مليار ليرة سورية مع فوائدها المالية قانوناً…
4- تسديد ديون أصحاب العمل عن اشتراكات عمالهم للتأمينات الاجتماعية المقدرة بالمليارات بسبب تهربهم من تسديدها كما يفعلون بالتهرب الضريبي للدولة…
إن ادعاء أصحاب العمل بأن حصة رب العمل الحالية للتأمينات الاجتماعية وتأثيرها السلبي على القدرة التنافسية للصناعة السورية هي حجة تدحضها الحياة والوقائع فيما يلي:
1- ارتفاع صادرات الصناعة السورية للخارج
2- الطلب المتزايد على الصناعة التحويلية السورية من الدول: اتفاق السوق العربية الحرة، ومن الدول الأوربية وإيران وتركيا…
3- ارتفعت صادرات القطاع الخاص من /4/ مليارات و/240/ مليون دولار عام 2005 إلى /5/ مليارات و/800/ مليون دولار عام 2007
4- تزداد حصة القطاع الخاص من الدخل الوطني بنسبة 63% حسب موازنة عام 2007
5- إن 62% من إيرادات الضرائب تأتي من القطاع الخاص، ومع ذلك حسب تصريح وزير المالية فإن التهرب الضريبي عام 2005 بحدود /200/ مليار ليرة سورية، ومستمر رغم التخفيضات التي أجرتها الحكومة على الضرائب من 63% في عام 2003 إلى 35% منذ مطلع عام 2004، وقد بلغ العجز في موازنة عام 2007 /192/ مليار ليرة سورية
وبرأيي أحد أسباب هذا العجز هو التهرب الضريبي الذي يمارسه القطاع الخاص ويلحق الضرر بالاقتصاد الوطني ويعتبر خيانة وطنية، حيث يقدر حجم التهرب الضريبي منذ عام 2005 حتى عام 2007 بـ /600/ مليار ليرة سورية…
لقد أصبح واضحاً أن هدف أصحاب العمل كبار الرأسماليين الصناعيين والتجار الذين استفادوا من التنازلات التي قدمتها الحكومة لهم بتخفيض نسبة الضرائب لدرجة كبيرة تشجيعاً لهم لزيادة نشاطهم وفعاليتهم الاقتصادية والمساهمة في توفير فرص عمل للعاطلين عن العمل، وتسجيلهم في التأمينات الاجتماعية…
إن تدخل البنك الدولي أيضاً ومطالبته بضرورة تخفيض ضريبة التأمينات على أصحاب العمل مرفوضة من قبل نقابات العمال والاتحاد العام لنقابات العمال ومصممة على النضال ضد أهدافه ومشاريعه التي تخدم الامبريالية الأميركية المعادية لحرية واستقلال الشعوب وحريتها وتقدمها…
إن اقتراحات البنك الدولي بإصلاح مؤسسة التأمينات الاجتماعية والسير في طريق الليبرالية الاقتصادية التي أثبتت فشلها وظهرت نتائجها المدمرة المعادية لمصالح الشعوب…
كما أن هذا الاقتراح سيؤدي إلى إضعاف مؤسسة التأمينات الاجتماعية ودورها في حماية حقوق العمال والعناية بصحتهم حالياً ومستقبلاً…
وتجاه هذه الهجمة الرأسمالية الدولية والعربية على حقوق ومكاسب العمال، مطلوب من أصحاب القرار السياسي والاقتصادي إعادة النظر في اقتراحات البنك الدولي التي تهدف إلى زيادة ثروة الأغنياء، وزيادة إفقار العمال وذوي الدخل المحدود. وتدني مستوى حياتهم المعيشية…
إن واجب النقابات والاتحاد العام لنقابات العمال الوقوف بحزم بوجه هذه الاقتراحات والأفكار التي تلحق الضرر بحقوق ومكاسب العمال، والدفاع عن العمال والمحافظة على حقوقهم ومكاسبهم القانونية، والسعي لدى الحكومة لتسديد التزاماتها المالية /55/ مليار ليرة سورية ديون مؤسسة التأمينات الاجتماعية على الخزينة السورية، هي أموال جمعت من أتعاب العمال منذ عام 1959 حتى عام 2008 لم تسددها وزارة المالية…
ومطالبة مؤسسات القطاع العام تسديد التزاماتها المالية المستحقة بذمتها لصالح التأمينات الاجتماعية /45/ مليار ليرة سورية مع فوائدها قانوناً…
ومع ذلك تقوم مؤسسة التأمينات الاجتماعية بكامل واجباتها التأمينية للعمال، ولديها فائض من المال تستثمره بمشاريع مربحة وآمنة. والآن بعد أن منحت الحكومة أخيراً المؤسسة في بداية عام 2008 باستثمار 50% المتبقية من فائض أموالها، أي باستثمار كامل أموالها بمشاريع إنمائية رابحة لصالح تقديم خدمات متنوعة للعمال…
برأيي ستسعى الرأسمالية الدولية كعادتها للبحث عن صيغ جديدة للخروج من أزمتها المالية والاقتصادية الدورية, وتجديد نشاطها بعد هذه الخسائر المالية الكبرى مئات بل آلاف المليارات من الدولارات ولكن على حساب الطبقة العاملة وذوي الدخل المحدود وإفقارها في بلدانها وعلى حساب شعوب البلدان النامية…
إن تحقيق المهام الوطنية والاقتصادية والاجتماعية للطبقة العاملة والحفاظ على مكاسبها وحقوقها ومعالجة أزمة البطالة وتوفير فرص عمل للعاطلين عن العمل وتحسين مستوى حياة العمال المعيشي يتطلب النضال لإطلاق الحريات الديمقراطية للشعب، وفي استقلال الحركة النقابية…
إن تحقيق هذه المطالب هو في صالح الوطن ومن أجل تحقيق الوحدة الوطنية لحماية الوطن ضد أعدائه الإمبريالية والصهيونية…
حلب في 25/10/2008




















