مع التوقيع على «اتفاق حسن النوايا وبناء الثقة»، بين الحكومة «وحركة العدل والمساواة»، بخصوص دارفور؛ تبدو المشكلة أنها دخلت طريقاً جديدة واعدة، هذه المرة. الخريطة والترتيبات، التي تمّ التوافق حولها، تحمل على الاعتقاد بأن الظروف باتت ناضجة للتحرك الهادف، في هذا الاتجاه.
الخطاب كشف، هو الآخر، عن رغبة متبادلة، في سلوك هذا السبيل. عوامل واعتبارات ضاغطة،تضافرت، لتسهم في انجاز الخطوة الأولى. المهمّ، كان استجابة المعنيين، لدواعي اللحظة. الأهم، هو استكمال مسيرة التوافق حتى بلوغها نقطة الحل النهائي.
اتفاق الدوحة. الذي تمخض عن مفاوضات لمدة ثمانية أيام، وضع حجر الأساس. صحيح أنه انحصر بإعادة بناء الثقة. لكن هذا المدخل كان لا بدّ من ولوجه بعد المآسي التي تسبب بها هذا النزاع المفجع طوال سنواته الخمس الدامية.
التأكيد على أولوية العملية السلمية والعمل على خلق بيئتها، لمعالجة جذور المشكلة؛ توجّه يرسي القواعد السليمة للحوار ثم الاتفاق. يعزز منه أنه ارتبط بإجراءات أولية على الأرض، من نوع تبادل الأسرى وحماية اللاجئين ووقف العودة القسرية للنازحين مع ضمان انسياب الإغاثة للمحتاجين.
يصبّ في هذا المجرى، ما تضمنه الاتفاق من جدولة زمنية للخطوات اللاحقة المتممة؛ والموزعة على مرحلتين: واحدة تبدأ بعد أسبوعين، لصياغة «اتفاق إطاري»؛ وأخرى تتواصل ولغاية إقرار الحل النهائي، في غضون ثلاثة أشهر، لطيّ صفحة الصراع في دارفور.
جهات عديدة ومنها واشنطن، سارعت إلى التقليل من أهمية ما جرى؛ باعتبار أنه تفاهم ثنائي، اقتصر على فصيل واحد مع حكومة الخرطوم؛ وأنه لم يشمل أي وقف للنار. صحيح. لكن الاتفاق مفتوح، أمام البقية من الأطراف.؛ بقدر ما هو مفتوح على جولات قادمة ومحدّدة.
اتفاق الدوحة، ليس أكثر من دخول طريق محفوفة بالمخاطر. المشكلة معقدة وجروحها عميقة. مقاربتها، كانت باستمرار متعثرة. محاولات ووساطات وضغوطات، عديدة نزلت إلى ساحتها وانهزمت. وحتى التوافقات التي حصلت بشأنها، انهارت. كبرت وصارت أزمة ذات طابع دولي. لكنها بقيت عصية على الحل.
هذا الاتفاق، محاولة أخرى. بداية أخرى مختلفة. التوقيت والمعطيات والسياق، عناصر جديدة؛ جعلته كذلك. وربما يكون بذلك قد وفّر فرصة أفضل. وحتى لو أنها ليست كذلك، فمن المطلوب والضروري اغتنامها.
دارفور نزفت بما فيه الكفاية. مأساتها بلغت حدود ما فوق طاقة البشر على الاحتمال. السودان، هو الآخر، نال حصة منهكة من التمزق والصراعات الأهلية، التي تكاد تقضي على لحمته الوطنية. ساحته كانت وما زالت مستهدفة. آن الأوان لتحصينها ولوقف النزف والبدء بلملمة جراح وأجزاء هذا البلد المعذّب.




















