الحياة – 19/02/09//
تستأثر اوضاع رئاسة الجمهورية اللبنانية، وما طرأ عليها من تطورات خلال النصف الثاني من القرن العشرين، باهتمام العديد من الفرقاء اللبنانيين. فبين الذين يسعون الى وضع يدهم على اسباب الاعتلال في النظام السياسي اللبناني من يعتقد ان قسما مهما منها يرجع الى تراجع دور رئاسة الجمهورية اللبنانية والى خسارته العديد من الصلاحيات التي كان يحوزها، خاصة خلال العقود الاربعة الاخيرة.
هل هذا الانطباع في محله؟ أصحيح ان الرئاسة تراجعت؟ ولئن تراجعت الرئاسة فالى اي مدى؟ وهل كان تقليص دور الرئاسة كله ضرر على الحياة العامة، ام جاء في بعض الاحيان خدمة لها؟ واذا كان التراجع قد الحق ضررا كبيرا بالنظام السياسي وسبب له ازمة وانسدادا دائمين، فكيف الخروج من هذا الوضع وتصحيح دور الرئاسة اللبنانية؟ تلك كانت بعض الاسئلة التي طرحت في المؤتمر المهم الذي نظمته الجامعة الانطونية في لبنان بعنوان «رئاسة الجمهورية اللبنانية ماضيا ومستقبلا: دروس وتحديات» خلال الاسبوع الماضي، والذي اشترك فيه عدد كبير من رجال السياسة والفكر اللبنانيين. وكانت حصيلة المؤتمر بعض الدروس التي تفيد لبنان وغير لبنان من الدول والمجتمعات التعددية.
لقد سعى بعض الذين ربطوا بين الازمة العامة في لبنان، من جهة، وبين تقلص دور الرئيس والرئاسة، من جهة اخرى، الى تسليط الضوء على التراجع المستمر الذي ألّم بصلاحيات الرئيس. وهذا التراجع لم يرضخ دوما لعوامل وديناميكيات قسرية ولضغوط خارجية، بل كان في بعض الاحيان نتيجة خيار واع مارسه رؤساء ولاقتناعهم بانه يشكل جزءا من مسار اصلاحي للنظام. الرئيس فؤاد شهاب مثلا، طور تقليد الاستشارات الوزارية بحيث اقتربت من طابع الالزام، فحدت من صلاحية الرئيس شبة المطلقة في اختيار رئيس وزرائه.
هذه الخطوة بدت خيارا طوعيا مارسه رئيس عمل على تكريس نهج الشراكة في حكمه، واعتبر ان الاستشارات الوزارية الملزمة هي خطوة مفيدة على الطريق. بيد ان التخلي عن صلاحيات الرئاسة لم يأت دوما على هذا النحو، وانما جاء في بعض الاحيان استجابة الى ضغوط مورست على اصحاب القرار وخاصة من المشرعين. يندرج في هذا السياق الاخير، ما خسرته رئاسة الجمهورية في تقدير البعض، في ميثاق الطائف. فرئاسة الجمهورية خسرت صلاحيات هامة ونزع عنها الدور الهام الذي خولها اياه دستور العام 1926.
ما من شك ان الرئاسة فقدت جزءا لا يستهان به من صلاحياتها. وما من شك ايضا ان انتزاع قسم من هذه الصلاحيات جاء في سياق حملة لم تكن تستهدف تقوية النظام الديمقراطي اللبناني، واستقامة العلاقات بين مؤسساته، وانما على العكس من ذلك، رمت الى اضعاف الديموقراطية اللبنانية. ولقد استهدفت الرئاسة اللبنانية والقوى المجتمعية التي كانت تمثلها بمقدار ما كانت تشكل عضدا للنظام الديموقراطي اللبناني وللتعددية السياسية في لبنان. ولا ريب ان انتزاع الكثير من صلاحيات رئيس الجمهورية جاء في هذا السياق، قبل اي شيء آخر. ولكن بينما نراجع هذه المسألة وحجم تأثيرها على موقع الرئاسة اللبنانية وعلى النتائج التي اسفرت التعديلات الدستورية عنها والتي نالت من دور الرئيس وصلاحياته، فانه من الضروري الا نغفل اهمية الاوضاع السياسية التي اثرت تأثيرا كبيرا على اوضاع الرئاسة اللبنانية.
بالمعيار السياسي كانت الرئاسة اللبنانية تعاني من ضعف مزمن. ففي الانظمة الديمقراطية المتقدمة يصل الى رئاسة الدولة عادة زعيم الحزب او التكتل او التحالف النيابي الذي يفوز باكثرية اصوات الناخبين ويملك غالبية المقاعد في المجلس النيابي. ويوفر هذا الحزب او التكتل لزعيمه سندا قويا في مجلس النواب وفي المجتمع المدني. وزعيم البلاد ورأسها يكون قويا وقادرا بنسبة ما يتمتع الحزب او التكتل من تأييد بين المواطنين وليس بالضرورة بمقدار ما تمنحه اياه النصوص الدستورية. فرئاسة الحكومة في بريطانيا تعتبر موقعا قويا الى درجة ان رؤساء الحكومات البريطانية شبهوا «بوحوش الغابة الكبار» بسبب السلطة الواسعة التي يمارسونها على الحزب ومجلس العموم والدولة، هذا مع العلم بانه لا يوجد دستور في بريطانيا.
وفي المجتمعات التعددية مثل لبنان تتجه الفئات الرئيسية الى تشكيل ائتلاف حاكم يوفر للسطة التنفيذية دعم اكثرية كبيرة من النواب، ويمكن الرئيس وحكومته خلال تنفيذ هذه البرامج من اتخاذ قرارات مؤلمة وغير شعبية ولكنها ضرورية لحسن سير الحكم ولخير البلاد على المدى الطويل، فانهما يستطيعان الاتكال على الحزب او الكتلة النيابية الحاكمة لمساعدتهما على اقناع المواطنين بجدوى هذه القرارات والسياسات وبضرورة التعاون مع الرئيس ومع الحكومة من اجل تمريرها. هذا المسار هو من بديهيات الحكم في الانظمة الديموقراطية المتقدمة فاين نحن من هذه الصورة؟ اين رؤساء جمهوريات لبنان من هذه العملية السياسية؟ وهل جاؤوا الحكم وهم يتزعمون حزبا او تكتلا نيابيا أمن لهم النفوذ الكافي في مجلسي النواب والوزارة والسيطرة الضرورية في النظم الديموقراطية على آلة الحكم؟ من مراجعة تجارب الرؤساء اللبنانيين يمكننا الاستنتاج بانه ما من زعيم لبناني وصل الى الرئاسة عن طريق اكثرية نيابية من هذا النوع. كذلك يمكننا الاستنتاج بان الرؤساء اللبنانيين لم يكونوا «يمونون» فعلا الا على عدد محدود من النواب المقربين، وانه مقارنة بهؤلاء النواب الملتزمين بهذا الرئيس او ذاك، كانت الاكثرية من النواب مستعدة، في حالات معروفة وموصوفة، لنقل ولائها من رئيس يتأهب لمغادرة قصر الرئاسة الى مرشح خصم له يتأهب لدخوله.
ان رؤساء الجمهوريات الذين عانوا من هذه الحالات لم يكونوا يفتقرون الى الصلاحيات الواسعة ولا حتى في بعض الحالات وليس كلها الى قوة الشخصية. مثلا كان الرئيس اميل اده يتمتع بقوة الشخصية والذكاء والصلاحيات الواسعة حتى انه كان من بينها اصدار مرسوم بتعيين ثلث اعضاء المجلس النيابي. رغم ذلك فان هذه المعطيات الشخصية والدستورية لم تمنع تهميش دور الرئيس والرئاسة عندما اتجه المفوض السامي الفرنسي دو مارتيل الى تجاهل دور اده، بعد فترة من ولايته، والى الاعتماد المتزايد على رئيس الحكومة خير الدين الاحدب في ادارة البلاد.
ولم يتبدل الوضع كثيرا في المرحلة الاستقلالية. فالرئيس فؤاد شهاب كان يتمتع بالمقومات الاخلاقية والسياسية وبالصلاحات الدستورية الكافية لحكم البلاد، ولكنه مع ذلك وجد صعوبة كبيرة في ضمان ولاء اكثرية مقنعة من النواب لحكمه ولمشروعه الاصلاحي. ولقد كان هذا من الاسباب الرئيسية لاستقالته من الرئاسة بعد سنتين من وصوله اليها، كذلك لاستنكافه عن ترشيح نفسه للرئاسة مرة ثانية، وللانتقادات الحادة التي كان يوجهها الى اهل السياسة اللبنانيين ولوصفه اياهم بانهم «اكلة جبنة».
اذا كان هذا حال رئيس الجمهورية الذي كان يملك الصلاحيات الدستورية الكافية، فهل كان رئيس الوزراء افضل حالا؟ قطعا لا. لولا ذلك لما ذهب احد الزعماء اللبنانيين الذين خبروا هذا المنصب الى وصف رئيس الحكومة اللبناني بانه «باش كاتب». فالاكثرية الساحقة من رؤساء الحكومات كانت تعجز عن تأمين اكثرية نيابية وشعبية متضامنة تضامنا حقيقيا مع الحكومات. هذا الواقع جعل الرئيس بشارة الخوري يتحدث بمرارة عن زعيم لبناني كان يقضي وقته خلال جلسات مجلس الوزراء في كتابة مقالات لمهاجمة الحكومة التي كان عضوا فيها!
ان الخروج من ازمة الرئاستين في لبنان يتطلب قيام احزاب و/او تكتلات نيابية قوية وديموقراطية ووطنية الطابع والانتشار يرفدها تأييد شعبي حقيقي في لبنان. من هذه الزاوية قد يكون صحيحا القول ان لبنان اقرب منه اليوم من الامس الى هذه الصورة، اذ ان مجلسه النيابي موزع، اكثر من اي وقت مضى، بين تكتلات قليلة ومتماسكة، وبعد ان تطورت احزابه وصارت قادرة على حشد مئات الالوف في العراضات الشعبية. بيد ان سر ضعف هذه التكتلات والاحزاب هو في قوتها، ذلك انه ما دامت مصدر قوة هذه التكوينات هو طائفيتها، فلم تتمكن من التحول، سواء عن طريق التطور الذاتي والنمو الطبيعي او عبر الائتلافات من توفير دعم نيابي وشعبي وطني للسلطة التنفيذية.
* كاتب لبناني




















