المستقبل
من الصعب أن تغيب (نكبة) غزّة من الذاكرة الفلسطينية والعربية، أو أن تتضاءل قسوة دلالاتها، وخلاصة دروسها على مجرى النضال الوطني الفلسطيني، وعلى أساليبه ومآلاته: آلاف من القتلى والجرحى والمفقودين، وعشرات الآلاف من المشردين، وأحياء دمرها الاحتلال برمتها، وأخرى أعاد احتلالها، وكل أحياء غزة وضعها تحت نيران مدافعه، بالمقابل لم تخسر إسرائيل سوى أقل من عشرين قتيلاً وعشرات الجرحى. فالخطابات الانتصارية لحماس وحلفائها، لايمكنها أن تختزل الحدث، أو تعبر عن حقيقته، بل هي لم تقم لحد الآن الاّ بدور تضليلي يغيّب الوقائع لحساب مصالح حزبية تطمح إلى تسويغ استمرار سلطتها الشمولية على غزة، كأصغر امارة توليتارية في الدنيا.
وقد عبر هنية عن هذه الحقيقة بمعنى قوله: لن نتراجع عن أهدافنا ولو ابادوا غزة عن بكرة أبيها! فالأمر برمته يتعلق لدى هنية وإخوانه بمصير الشريعة وبدولة الخلافة الموعودة وبالوقف الإسلامي، والائتمان على السلاح، لاقترانه بالجهاد، أما مفاهيم الوطنية الفلسطينية، والنضال الوطني الفلسطيني وحق تقرير المصير، والتعامل مع السياسات بلغة المصالح وميزان القوى، فهي تفصيل صغير أمام قداسة تلك الأهداف.
فمقاييس النصر والهزيمة تتعلق لدى حماس، على صعيد الروح، بالثبات على العقيدة والهدف، والأمانة لشبكة المفاهيم الموروثة عن حركة الإخوان المسلمين، وهي مُتخيلات ذهنية لاتقود إلى شيء مجد، وعلى الرغم من ذلك، فقد ظل للقضايا الدهرية الأرضية، الدور الجوهري والحاسم الذي حدد سلوكها السياسي، فتحت غطاء الأهداف المتعلقة برضى السماء، تتكشف المصادر الدهرية لسلوكها، المرتبط بشكل وثيق بشهوة السلطة، وبالرغبة المحمومة بتأبيد حكمها على غزة وسيطرتها عليها.
ومن هنا فخطاب النصر لا بد منه لتكريس استبدادها وانفصالها، وهو أيضاً ضرورة لحلفائها الإقليميين ليشاركوها أعراسه، ولتتبادل معهم هدايا النصر، بينما كان لإسرائيل مقاييس أخرى مختلفة للنصر، تتصل بأمنها بالدرجة الأولى، أي الهدوء على جبهة غزة، شبيه بحال الجبهة اللبنانية بعد حرب تموز، وبالجبهة السورية بعد اتفاقية فك الارتباط 1973، وهو ما ستحصل عليه اليوم على جبهة غزة، وأيضاً تتصل بإضعاف الوحدة الفلسطينية، وبتمزيق الفلسطينيين بفصل غزة عن الضفة، وهو ما تقوم به حماس بجدارة! وبالإضافة إلى ذلك، فإن حاجة إسرائيل لنهج حماس الإنقسامي، لا يقل عنه حاجتها إلى سياستها الرافضة للتسوية التي تؤمن لها الغطاء المناسب لتجنبها استحقاقاتها، بذريعة غياب الشريك للتسوية، وحماس من جهتها لا تستطيع الفوز في الحرب أو صنع السلام، جلّ ما تقدر عليه، هو عرقلة السلام بوضع الصعوبات أمام جهود منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، أو أن تعطي الذرائع لإسرائيل بالهرب من استحقاق السلام.
فكما شجعت إسرائيل، من قبل، الطابع الدعوي التبشيري التضامني للإخوان المسلمين في غزة، لمواجهة الدور الكفاحي المتصاعد لمنظمة التحرير، وفي مقدمها فتح، بعد هزيمة حزيران، لاسيما قيادة الانتفاضة الأولى، قبل أن يستدرك الإخوان ما أصابهم من عزلة، نتيجة تجنبهم العمل السياسي والعسكري المناهض للاحتلال، ويؤسسوا "حماس" بعد الانتفاضة عام 1987، فإسرائيل اليوم، أيضاً، تغذي الظروف لنجاح تجربة حماس الانفصالية الإقصائية، تحت رايات الجهاد المقدس، ولإضعاف الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير، فانفصال القطاع عن الضفة هو هدف إسرائيلي لايدانيه هدف آخر سوى ضياع القضية الفلسطينية برمتها، ولقد علمنا تاريخ العرب في القرن العشرين، أن ما قُسّم لن يُعاد توحيده أبداً، وان ما أخشاه فعلياً، هو أن ما نحسبه مؤقتاً من انفصال غزة سيصبح واقعاً دائماً بفضل حماس وإسرائيل!
وعلى كل حال، لم يكن هذا الخطاب الانتصاري وحيداً في زيفه، سمعناه من أبطال الانظمة بعد هزيمة حزيران الشنيعة، وعقب تدمير العراق في (أم المعارك)، وإثر تدمير لبنان في (النصر الإلهي)، وكانت الحجج متشابهة، اما لأن العدوان لم يستطع إسقاط النظام أو لأنه لم ينتزع السلاح! أما مصير الوطن والمواطن فهو خارج مرمى الإدراك والمشاعر.
لعل النجاح الوحيد الذي حققته حماس، بفضل هذه الحرب المدمرة على غزة، هو صعود فرص نتنياهو في الحكم، وتراجع فرص السلام، وتكاثر عدد المتطرفين والتكفيريين والمزيد من العصبوية وكراهية الذات، وتعمّق النزعة المعادية للعالم لدى العرب، إلاّ أن هذا كله لن يقرّب الفلسطينيين والعرب من حقوقهم، بل سيزيدهم بعداً، ويفاقم أوضاعم ومشاكلهم التي سيرمون مسؤوليتها، كعادتهم، على الآخر في الخارج، أو على مؤامرة كونية لايُعرف مصدرها!




















