عادت المصارف التي تعاني اوضاعاً صعبة في الولايات المتحدة وكذلك في اوروبا، الى الاعتماد على الدولة، مع ابداء الادارة الاميركية عزمها على تخفيف شروط استثماراتها في أكثر من 350 مؤسسة مالية أميركية تحقيقاً للفائدة الكبرى الممكنة من هذه الاستثمارات وتقليص التكاليف التي ستتحملها المصارف، مؤكدة أن الاقراض يجب أن يبقى في يد القطاع الخاص. بينما كشفت وسائل إعلام أميركية ان مسؤولين من مجموعة "سيتي غروب" المصرفية يجرون محادثات ناشطة مع مسؤولين فيديراليين قد تؤدي الى استحواذ الحكومة الأميركية على حصة أكبر في المجموعة المتعسرة.
وفي اوروبا، يستعد "رويال بنك اوف سكوتلاند" و"ال بي جي" لعمليات اعادة هيكلة تدعمها لندن، وقال وزير الخزانة البريطاني اليستير دارلينغ ان بلاده ستضخ مليارات الجنيهات الاسترلينية في مصرف" نورثرن روك" الذي تملكه الدولة، في محاولة لكسر جمود الاقراض ومساعدة الاقتصاد على الخروج من الركود، في حين تعاود باريس تمويل اتحاد صندوق الادخار.
وفي مستهل شهره الثاني في البيت الابيض، التقى الرئيس الاميركي باراك اوباما حكام ولايات قبل الظهر، ثم رأس بعد الظهر قمة في موضوع "المسؤولية المالية" جمعت حلفاء وخصوماً سياسيين واقتصاديين وخبراء.
وفي كلمة القاها في مستهل القمة، وعد بخفض العجز في الموازنة المقدر حالياً بالف مليار بمقدار النصف بحلول 2013، اي خلال فترة رئاسته.
ورأى أن على واشنطن ان تتصدى للعجز المتزايد في الموازنة، والا واجهت ازمة اقتصادية اخرى في المستقبل. وأضاف: "اذا تصدينا لتلك الازمة من دون التصدي ايضاً للعجز الذي ساعد في حصولها، نخاطر بالانغماس في ازمة اخرى في المستقبل".
وهو كان حذر حكام الولايات من اللعب سياسياً بخطة التحفيز الاقتصادي البالغة قيمتها 787 مليار دولار، قائلاً إنه يجب اجراء "نقاش نزيه" في شأن الرزمة بدل الادعاء أن بعض مكوناتها لا قيمة لها.
وكان خلاف دار الاحد بين حكام الولايات الاميركية على الخطة، إذ انتقدها بعض الجمهوريين على أسس ايديولوجية وعملية.
ورحب الحكام الديموقراطيون وبعض الجمهوريين بمليارات الدولارات التي ستستفيد منها ولاياتهم على انها حل موقت لتخطي الازمة التي تسببت بارتفاع كبير لمعدل البطالة نتيجة تزايد موجات صرف الموظفين.
الا ان عدداً كبيراً من الجمهوريين، بينهم حاكم ولاية كارولينا الجنوبية مارك سانفورد، يقول إن البرامج التي تنص عليها خطة الانعاش لا يمكن اطلاقها من دون فرض ضرائب.
مراقب لصرف الاموال
الى ذلك، أعلن أوباما تعيين مسؤول مكلف مراقبة حسن استخدام اموال خطة الانعاش الاقتصادي التي وقعها اخيراً.
وقال انه اختار المفتش العام في وزارة الداخلية ايرل ديفيني ليرئس مجلساً سيسهر على حسن تطبيق الخطة، كما كلف نائب الرئيس جو بايدن مراقبة سير التنفيذ.
والمفتش العام هو بمثابة محقق مكلف مراقبة التزام وكالة او منظمة حكومية معينة سياسات الادارة وكشف أية نشاطات غير قانونية.
وقد اضطلع ديفيني بدور في كشف نشاطات جاك ابراموف العضو النافذ في مجموعة ضغط لدى وزارة الداخلية والذي حكم عليه بالسجن بتهمة الفساد.
كذلك، سيضطلع الحكام بدور مهم في توظيف اموال خطة الانعاش.
وقال اوباما لدى لقائه بعضاً منهم أمس: "اذ اقترحت وكالة فيديرالية مشروعا يمكن ان يشكل هدراً لهذه الاموال، سأوقفه. لكنني اريد أن يعلم الجميع في هذه القاعة انه اذا قامت حكومة ولاية ما بالامر نفسه، فسوف ادعوها لالتزام واجباتها وساستخدم كل الصلاحيات المنوطة بمنصبي وبادارتنا من اجل وضع حد لذلك".
وبذلك وجه الى الحكام التحذير نفسه الذي وجهه الاسبوع الماضي الى رؤساء البلديات الذين سيشكلون أيضاً مفصلاً مهما في عملية الانعاش الاقتصادي، وهو الذي وعد باعتماد ثقافة جديدة من الشفافية والمسؤولية في البيت الابيض.
المصارف
ووسط مخاوف من أنه سيكون على الولايات المتحدة تأميم بعض المصارف، جاء في بيان مشترك لوزارة الخزانة، والمؤسسة الفيديرالية للتأمين على الودائع، ومكتب المراقب العام للعملة، ومكتب مراقبة الادخار والاحتياط الفيديرالي الاميركي أن الحكومة ستعمل على ضمان توفير السيولة ورؤوس الأموال التي تحتاج اليها المصارف لتوفير القروض والائتمان الضروري لاستعادة النمو الاقتصادي.
ويشار الى أن عدداً كبيراً من المؤسسات المالية، وخصوصاً " سيتي غروب" و"بنك أوف أميركا" و"ويلز فارغو"، وهي من كبرى المؤسسات التي اشترت فيها الحكومة الأميركية أسهما بمليارات الدولارات أخيراً، قد طالبت بتخفيف القيود التي فرضتها الحكومة لمنعها من الانهيار.
وكانت خطط الانقاذ المالي التي اعتمدتها الحكومة في المصارف تشترط إصدار أسهم متميزة ذات عائدات للحكومة الفيديرالية وأيضا إعادة دفع هذه الأموال بعد سنوات. لكن التغييرات التي أعلنت أمس تقتضي أن تحصل الحكومة على أسهم عادية بدل الأسهم المفضلة ذات العائد المرتفع، وهو ما من شأنه أن يقلل الفوائد التي ستحصل عليها الحكومة ويخفف صرامة الجداول الزمنية للدفع ويشجع مزيداً من الناس على الاستثمار في المصارف إلى جانب الحكومة.
"سيتي غروب"
في غضون ذلك، نقلت وسائل إعلام أميركية ان المسؤولين في "سيتي غروب" أطلعوا مسؤولين في الاحتياط الفيديرالي ومكتب مراقب العملة على خطة من شأنها أن تسمح لهم بتحويل مبلغ 45 مليار دولار من الحصص التفضيلية التي تملكها الحكومة، أسهماً عامة، وهو ما يمنح الحكومة ملكية نحو 40 في المئة من الأسهم العامة في الشركة، مما سيضاعف تأثير المسؤولين الفيديراليين داخل كبرى المؤسسات المالية في العالم.
أوروبا
وفي المانيا، قد تحل الدولة محل المصارف، إذ تعتزم وزارة الاقتصاد الالمانية انشاء "بنك للاقتصاد" لحل مشكلة النقص في السيولة لدى الشركات، وقد تستجيب خصوصاً لدعوات المساعدة التي اطلقتها شركتا "اوبل" و"شافلر".
وفي بريطانيا، يتوقع ان يعلن المصرفان البريطانيان "رويال بنك أوف سكوتلاند" و"ال بي جي" الخميس وضع مئات المليارات من الجنيهات من الاصول الهالكة تحت حماية الدولة.
وينتظر أن يكشف "رويال بنك أوف سكوتلاند" في الوقت عينه خسائر ضخمة خلال 2008 والتخلي عن كمية كبيرة من الاصول.
وفي فرنسا، ستضخ الدولة "ما بين 2.5 مليارين وخمسة مليارات أورو" في شكل قروض في الاتحاد الجديد لصندوق الادخار الذي تقرر التعجيل في عملية اندماجه التي يتوقع أن تعلن رسمياً هذا الاسبوع.
وأكد وزير الخزانة البريطاني ان حكومته ستضخ مليارات الجنيهات الاسترلينية في مصرف "نورثرن روك" الذي انسحب بدرجة كبيرة من سوق الرهون العقارية قبل تأميمه في شباط من العام الماضي. وتأتي هذه الخطوة في إطار جهود الحكومة لإنعاش الاقتصاد من طريق تشجيع المصارف على الاقراض الذي تراجع كثيراً تحت وطأة أزمة الائتمان العالمية.
وفي دبي، حققت الأسهم أكبر مكاسبها في جلسة واحدة منذ منتصف تشرين الثاني 2008، مع اطمئنان المستثمرين إلى أن الإمارة لن تتخلف عن سداد ديونها، بعدما اكتتب مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي في سندات حكومية بعشرة مليارات دولار.
وعوض مؤشر السوق خسائر الأحد بصعوده نحو ثمانية في المئة بعدما أطلقت الإمارة برنامج سندات قيمته 20 مليار دولار يهدف إلى تبديد عدم التيقن في السوق.
(و ص ف، رويترز، أ ب، أ ش أ، ي ب أ)




















