قبل أكثر من عقد، تحدث نائب واعد من حزب "الرفاه" الاسلامي التركي الذي حظر لاحقاً، عن امكان انشاء نوع من "الكومنولث" بين تركيا والدول المجاورة لها شرقاً، بما فيها سوريا وايران، مبرزاً أهمية اقامة انقرة تحالفات جديدة في آسيا والعالم المسلم. وقال: "ليست لدينا اية رغبة في ابعاد تركيا عن أوروبا أو بناء جدران حولها… لكننا نعتقد أن مستقبل تركيا يجب الا يعتمد على محور واحد، انما على علاقات جيدة مع دول أخرى". وفي اشارة الى مكانة بلاده في اوروبا، اضاف: "نعتقد ان المستقبل يكمن على نحو اساسي في آسيا. من الافضل ان نكون اولى النعاج، على أن نكون آخر الذئاب".
ذاك البرلماني التركي الواعد لم يكن سوى عبدالله غول الذي صار رئيساً لتركيا، وقد حدد اطر "الحلم العثماني للرفاه" في مقابلة أجرتها معه المديرة السابقة لمكتب صحيفة"صباح" في انقرة اصلي ايديناتاسباس.
في حينه، بدت افكار غول مفاجئة في بلد تؤيد فيه النخبة العلمانية النافذة التقرب من الغرب، ولكن مع مرور السنين والخيبات التي واجهتها الاحلام الغربية لانقرة، تبدو تلك الافكار اليوم عناوين للتطلعات العالمية الجديدة لتركيا. ولعل الخروج المدوي لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان من دافوس بعد المشادة مع الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس على خلفية الهجوم الاخير على غزة، يعكس جانباً من المزاج التركي الراهن.
تقع تركيا في منطقة متوترة تتقاطع فيها مصالح دول كبرى. الى شمالها روسيا ودول القوقاز، منطقة النزاعات الساخنة. والى شرقها، يتمدد بحر قزوين الغني بموارد الطاقة، وايران مع برنامجها النووي، وخلفها افغانستان. والى جنوبها مباشرة، العراق وسوريا الدولتان المثيرتان للجدل في المنطقة.
والى كل هذا، تكتسب تركيا اهمية استراتيجية جسرا للعبور بين الشرق والغرب. وهي شكلت منذ الحرب الباردة الاساس الوطيد للامن الاوروبي، بانضمامها الى حلف شمال الاطلسي عام 1952 وحمايتها الضفة الجنوبية الشرقية للقارة من الاتحاد السوفياتي السابق. وهي تسعى جاهدة منذ 1964 الى الانضمام الى اوروبا.
بيد ان تطلعاتها الاوروبية خفتت أخيرا، وتقدمتها ديبلوماسية ناشطة في الشرق الاوسط والقوقاز وآسيا الوسطى حيث اضطلعت بدور استراتيجي في المناطق الثلاث. فبعدما اجتاحت موسكو جورجيا في آب من العام الماضي مثلا، اقترحت انقرة حواراً اقليمياً، في محاولة لتجنب نزاعات مماثلة في المستقبل. كذلك، نجحت في اقناع سوريا واسرائيل بالتفاوض بعد انقطاع دام سنوات، وقد استضافت اخيراً مسؤولين باكستانيين وافغانا من اجل اجراء محادثات في شأن مكافحة الارهاب. وهي تعرض حالياً التوسط بين ايران وواشنطن، وتتولى حالياً مقعداً غير دائم في مجلس الامن الذي يتعامل مع الملف النووي الايراني.
"العثمانية الجديدة"
تختلف التوصيفات للحركة الديبلوماسية التركية الجديدة بين "العثمانية الجديدة"، وتطلعات الى دور جديد على الساحة الدولية، بيد ان الاكيد هو ان انقرة تسعى الى موازنة ولائها للغرب، وخصوصاً اوروبا التي لا تزال مترددة حيالها، بايلاء جيرانها مزيدا من الاهتمام.
فبينما يفترض ان تكون 2009 مصيرية بالنسبة الى مساعي تركيا للانضمام الى الاتحاد الاوروبي بعد اربع سنوات من بدء مفاوضات العضوية، أصدرت المفوضية الاوروبية تقريرا عن التقدم الذي احرز بين الجانبين رحب بالاداء الاقتصادي التركي وبجهود انقرة لتدعيم نظامها القضائي، الا أنه كان واضحاً جداً في ان الطريق الى العضوية لا تزال طويلة وشاقة، اذ ابدى التقرير قلقه على حرية التعبير والاعلام هناك، وحض السلطات التركية على اثبات "ارادتها السياسية لمواصلة الاصلاحات"، بعدما سجل بقلق "تباطؤاً مستمراً في العملية الاصلاحية "في تركيا للسنة الثالثة على التوالي، محذرا من أن اخفاق انقرة في التزام تعهداتها بحلول كانون الاول 2009 سيؤثر على نحو خطير على عملية المفاوضات.
منذ اكثر من سنتين، لا تجد المفوضية الاوروبية تقدماً ملحوظاً في الجهود التركية للانضمام الى اوروبا.فبعد اصلاحات جذرية اتخذتها انقرة مطلع القرن، يبدو ان حماسة السلطات التركية خفتت، كما تعرض الاستقرار في البلاد لهزات عدة وسط تهديدات بانقلاب واغتيالات ومحاكمات لليبراليين وكتاب وصحافيين وملاحقات للاقلية الكردية، كما يبدو اردوغان متردداً في شأن تعهداته الهادفة الى انهاء تقسيم قبرص، العضو في الاتحاد الاوروبي.
وفي ظل هذا الموقف الاوروبي، فقدت انقرة على ما يبدو حماستها حتى للتبادل التجاري مع القارة القديمة.فللمرة الاولى، ذهب نحو 50 في المئة من الصادرات التركية عام 2008 الى دول الاتحاد الاوروبي (بين 1999 و2007 ، كان الاتحاد الاوروبي يمثل ما بين 56 و58 في المئة من الصادرات التركية)، فيما تراجعت الواردات التركية من اوروبا الى اقل من 40 في المئة، مع زيادة التبادل التجاري بين انقرة وأكثر دول العالم، وخصوصاً روسيا.
ولعل تركيا تبدل بسرعة شركاءها التجاريين، كما السياسيين، بحثاً عن نفوذ سياسي واقتصادي اكبر. فكلما بدت اوروبا بعيدة منها، بدا الشرق الاوسط اقرب اليها، مع تحويل انقرة اهتمامها من بروكسيل الى بيروت ودمشق والرياض وبغداد وطهران وصولاً الى موسكو. وكان سبق هذا التردد بين تركيا واوروبا جفاء بينها وبين اميركا. فخلال حرب العراق، لم تتوان أنقرة عن منع واشنطن، حليفها الوثيق في حينه، من استخدام قواعدها لمهاجمة العراق، على رغم رزمة الحوافز الاميركية السخية في حينه، لتنضم الى صفوف المعسكر الرافض لتلك الحرب.
ومذذاك، تعكرت العلاقات بين الجانبين، وتراجعت مكانة اميركا لدى الاتراك الى احد ادنى المستويات في العالم، وإن تكن ادارة باراك اوباما قد تسعى الى اصلاح ما خربته ادارة بوش مع الحليف الوثيق في الاطلسي، لما يمكن ان يوفره لواشنطن من تسهيلات وهي تستعد لنقل الآف الاطنان من المعدات من العراق بداء من السنة المقبلة. كذلك، يمكن ان تشكل تركيا قاعدة اساسية لأميركا التي تخطط لتعزيز قواتها في افغانستان، وخصوصاً بعد اعلان قرغيزستان انها ستقفل قاعدة اميركية على اراضيها. والى الاهمية الاستراتيجية التي تمثلها انقرة بالنسبة الى واشنطن، تدرك أوروبا الدور المحوري لهذا البلد في تطورها، وخصوصاً في ما يتعلق بأمن الطاقة اذ يمكن ان تمثل تركيا طريق عبور رئيسياً بديلاً من روسيا للوصول الى النفط والغاز لبحر قزوين والطريق الاسرع الى خام العراق.
وأكثر من ذلك، تقر اوروبا ايضاً بالدور الذي يمكن ان تضطلع به انقرة في الشرق الاوسط.
لوران
وعن هذا الامر قال رئيس بعثة المفوضية الاوروبية في لبنان باتريك لوران لـ"النهار" ان الاتحاد الاوروبي رحب بالمحادثات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا في رعاية تركيا، موضحاً أن هذه "المقاربة تعكس موقفنا الحازم الذي يكمن في تشجيع كل الجهود الرامية الى تحقيق الاستقرار والسلام والامن في الشرق الاوسط".
ولا تخفى على أوروبا اهمية العلاقات التي تنسجها تركيا مع كل اللاعبين في المنطقة، بما فيهم اسرائيل، وقدرتها على التواصل مع "حماس"، وهي في راي لوران "قادرة على الاضطلاع بدور محفِّز من اجل افهام حماس ضرورة تحولها حزباً سياسياً". وعلى رغم كل ما قيل عن انعكاسات حادث دافوس على دور الوساطة التركية، يجزم بأن "حادثاً واحداً لا يمكنه أن يغير كون ان تركيا لاعباً اساسياً في الشرق الاوسط، نظراً الى موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي ودورها التاريخي وأهميتها السياسية". تختلف التقويمات لحجم انعكاس التطلعات الجديدة لتركيا على مساعيها للانضمام الى الاتحاد الاوروبي. وبالنسبة الى المتفائلين، يعزز النفوذ المتزايد لأنقرة في المنطقة حظوظ دخولها اوروبا، ويدحض نظرية بعض الاوروبيين بان انضمام تركيا يؤدي الى اوروبا ضعيفة.
ويوجز لوران موقفه في هذا الشأن بان كل توسع سابق للاتحاد الاوروبي انطوى على آفاق جديدة للسياسة الخارجية والامن المشترك للاتحاد الاوروبي، وفقا للقدرات والمصالح الاستراتيجية للاعضاء الجدد. واذا انضمت تركيا الى الاتحاد الاوروبي يوما، فهي ستضيف ايضاً قوتها واولوياتها الى تلك التي للدول الاوروبية.
تتمتع تركيا ولا شك بمزايا تفيد منها اوروبا، وهي بالتأكيد ستحقق حلماً قديماً اذا انضمت الى الاتحاد الاوروبي، فهل يكون الشرق الاوسط والقوقاز وروسيا التي زارها غول اخيرا، مجرد محطات في الطريق الطويلة الى النادي الاوروبي، أم يكون الانعطاف شرقاً بداية لتحقق الحلم العثماني؟
موناليزا فريحة
"النهار"




















