الحياة – 28/02/09//
لم تكن التكهنات الأولى في شأن نتائج انتخابات مجالس المحافظات العراقية، في 31 كانون الثاني (يناير)، تشق طريقها الى المعلن، حتى توالت خطوات سياسية وديبلوماسية جعل تتابعها شهر شباط (فبراير) منعطفاً عراقياً. فحط الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ببغداد في أول زيارة يقوم بها رئيس دولة أوروبية منذ 2003، على ما قال ساركوزي «سعيداً» في العاشر من الشهر. ولم ينقض أسبوع على الزيارة الفرنسية حتى زار وزير الخارجية الألماني، فرانك – فالتر شتانماير، بغداد. وقبل يوم على زيارة الوزير الألماني، رحب الرئيس السوري بسفير بغداد في دمشق، علاء حسين الجوادي، السفير العراقي الأول بدمشق «منذ 28 سنة». وكان الحكم السوري أرسل نواف الفارس سفيراً الى بغداد في تشرين الأول (اكتوبر) العام الفائت.
وفي الأثناء أعلن أمير دولة الكويت نيته زيارة بغداد في الأسابيع القليلة القادمة. والزيارة هذه فتح في بابها، في ضوء «تراث» العلاقات العراقية – الكويتية. ويذيل الإجراءات المتواقتة هذه إعراب اللواء محمد العسكري، الناطق باسم وزارة الدفاع العراقية، عن توقعه أن انسحاب القوات الأميركية من العراق لن يستغرق فوق 19 شهراً من تاريخه. فيختصر المدة التي نصت عليها المعاهدة (المعاهدتان) الأمنية والعسكرية نحو سنة كاملة. ويبدأ انسحاب القوات الأميركية الداخلي، أي من المدن العراقية في حزيران (يونيو) القادم.
ومدح الرئيس الفرنسي السيادة والأمن العراقيين وتعزيزهما المتعاظم، وناط بهما استثمار الشركات الفرنسية في «عراق موحد وقوي ومتعدد يحترم أقلياته العرقية والدينية». والشرط السياسي (الوحدة الداخلية والسلطة المركبة) والأمني (الاستقرار واحتكار القوى العسكرية والأمنية العراقية السلاح) هو المقدمة التي يبني عليها الرئيس الفرنسي و «أوروبا عموماً»، على قوله غداة انقضاء شهر ونصف الشهر على ختام رئاسة فرنسا الدورية للاتحاد الأوروبي، مجيئه الى العراق ودعوته الشركات الى الاستثمار. وتنوي باريس بناء مقر جديد لسفارتها ببغداد، وقنصلية أولى بأربيل، «العاصمة» الكردية، وثانية بالبصرة، «عاصمة» الجنوب الشيعي وبوابة العراق على إيران وعلى شبه جزيرة العرب.
وكان عنوان الزيارة الألمانية البارز، وهي الأولى منذ 1987، اقتصادياً، على جاري تقليد ألماني بدأت ألمانيا الموحدة طيه في 2003، وفي المسألة العراقية، عشية حرب التحالف على صدام حسين، على وجه الدقة. فما قاله ساركوزي في الاستثمار، ومهد له بالسياسة والأمن، ذهب إليه فرانك – فالتر شتانماير من غير ان يلوي على التمهيد والتقديم السياسيين. وفي أثناء الزيارة، وهي رافق الوزير فيها وفد من رجال الأعمال، وقّع البلدان مذكرة تنسيق للتعاون العلمي والأكاديمي والثقافي. واتفقا على إنشاء جامعة عراقية ألمانية تتولى الحكومة الألمانية تمويلها وتغذيتها بملاكات التعليم. وكانت شركة «سيمنس» تعاقدت قبل أشهر قليلة على بناء 16 وحدة إنتاج كهربائية في خمسة مصانع، وافتتح شتانماير قنصلية ألمانية بأربيل، حيث يسع الاستثمارات ابتداء العمل من غير إبطاء ولا شروط أمنية أو إدارية.
والزيارتان الأوروبيتان «القديمتان»، على ما وصف وزير الدفاع الأميركي السابق دول أوروبا التي عارضت حملة قواته على عراق صدام حسين (بذرائع متهافتة)، الى العراق الجديد غداة انتخابات محلية شعبية و «توحيدية»، قد تكونان الإيذان بطي صفحة «الحرب الأميركية على العراق». فالزيارتان – شأن السفارة العراقية بدمشق وترحيب الرئيس السوري بزيارة الجنرال ديفيد بترايوس (قائد القوات الأميركية السابق بالعراق، وصانع «الانعطاف» العراقي الأمني منذ منتصف 2007، وقاهر عصابات الإرهاب و «المقاومة»، وقاهر والمفاوض على المعاهدتين)، ترحيباً قريباً من التهليل – إقرار صريح بانعقاد ثمرات العمل العسكري الأميركي أوضاعاً أمنية وسياسية تتيح فرصاً اقتصادية وتعليمية وخدمية وديبلوماسية ومدنية تمثيلية جديدة.
ودولتا الزائرين اضطلعتا بدور حاسم في فض الإجماع الأوروبي والغربي الرسمي على السياسة الأميركية الحربية، أولاً، وفي إضعاف محاصرة صدام حسين ديبلوماسياً ودولياً ومعنوياً، ثانياً، والحؤول دون تهديد مجلس الأمن الطاغية العراقي بالعزلة والقصاص، إن لم يكن بالحرب، ثالثاً. وكان فرانك – فالتر شتانماير يومها مستشار رئيس الحرب الاشتراكي – الديموقراطي الحاكم، غيرهارد شرودر، المقرب. ولم يفت الأمر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي. فهو، وحده، وصل بين الحاضر «الآمن» وبين الماضي القريب المضطرب. فقال ان بلاده لا تبطن «ضغينة» على ألمانيا جراء إحجامها عن المشاركة في اجتياح 2003. «فليس معيارنا (في التعامل مع الدول) من شارك ومن لم يشارك». وهذا إقرار «ضخم»، على معنى المتنبي، بتقويم الحرب الأميركية تقويماً جديداً لا يحملها كلها على الشرور والاستعمار والقتل والفوضى وانتهاك الأعراف الدولية.
وتضمر الزيارتان الأوروبيتان إقراراً وتقويماً غير بعيدين من نظيريهما العراقيين وربما الأميركيين (في الولاية الجديدة). والحق ان المالكي، وهو يتفتق عن رجل سياسة عراقي وطني وقد يؤذن برجل دولة، لا يفوت فرصة تلويح باستقلاله إلا وانتهزها. فهو رد على نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، ودعوته الحكومة العراقية الى تعجيل إقرار الإصلاحات السياسية، بقوله: «الحديث عن الضغوط فات أوانه». وقَصَر، مفرطاً في التفاؤل، دور قوات الائتلاف على «المساعدة اللوجستية». وخلص، محقاً من غير ريب، الى القول: «نستطيع وحدنا السيطرة على بلدنا».
وطي صفحة «الحرب الأميركية على العراق»، ومراجعة تقويمها مراجعة عملية إجرائية، من وجه، وتأريخية سياسية، من وجه آخر، لا يترتب عليهما تسويغ الحرب، أو تبرير بواعثها ونتائجها و «فلسفتها» أو محلها من «الحرب على الإرهاب» ومناهجها. فالأمران، الطي والمراجعة، دعوة الى مسألة أشد تعقيداً وحيوية، بما لا يقاس، من تبرير المحافظين الجدد أو من إدانة الأصوليين و «الجهاديين»الإسلاميين (من «القاعدة» الى الجيوش المهدية والقدسية) والقوميين والديربانيين (نسبة الى ديربان، مجْمع المنظمات غير الحكومية الشعبوية والعصبية). وتتناول المسألة ترجح بعض المجتمعات العربية والإسلامية بين انقيادها للسلطان الساحق والمدمر، ومسوغات مشروعيته الدينية والقومية المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب والقيم الدولية، وبين انتفاضها انتفاضاً عصبياً ومدمراً ينجم عنه تقويض السلطة والمجتمع الوطنيين، ويمهد لتسلط أجهزة الأمن والقوة والضبط القسري بديلاً من الدولة. والحق ان عراق ما بعد صدام حسين، وما بعد «الحرب الأميركية عليه»، عراق عودة العراقيين الى الحياة السياسية المشتركة والمفاوضة على جلاء القوات الأميركية وكف اليَديْن الأصولية و «المهدية»، العراق هذا دعوة قوية وصريحة الى «مصارعة» المسألة هذه وأخذها من قرنيها، أي التعرض لهما. فهي تستحق بعض الوقت في خضم الشغف الممض بأطوار الموازين الإقليمية والدولية.
* كاتب لبناني




















