ستبلغ، قريباً، المساعي التي بدأتها الحكومة اللبنانية نيابة عن شعبها وبمساندة المجتمع الدولي لوضع حد للإفلات من العقاب منعطفاً تاريخياً مهماً. ففي الثامن والعشرين من شباط (فبراير) 2009 ينتهي تفويض لجنة التحقيق الدولية بعد زهاء أربع سنوات من العمل الدؤوب وسينهي ذلك اليوم مرحلة مهمة في تاريخ تعزيز العدالة وسيادة القانون. وسيسجل الأول من آذار (مارس) 2009 معلماً تاريخياً آخر وهو انطلاق أعمال المحكمة الخاصة بلبنان. ومما لا شك فيه أن الحدثين سيحتلان مكانيهما في تاريخ لبنان والعدالة الدولية.
إن لجنة التحقيق الدولية المستقلة كيان فريد، إذ إنها الأولى من نوعها، كما أن قيامها يشكل سابقة متفردة من نواح عدة. وشأنها شأن أي عمل جديد، لم تكن اللجنة على درجة الكمال المرجوة. ولكننا تمكنا من التعاطي مع هذا الواقع ووجدنا حلولاً لم تكن موجودة. ومع اقتراب انتهاء عمل اللجنة سنخلّف وراءنا سلسلة من الدروس المستفادة لعل الآخرين يستفيدون منها عند الحاجة. إلا أنه يظل هناك شيء واحد لا يساوره أي شك، وهو أن سبب قيام هذه اللجنة والمتمثل في مساعدة الشعب اللبناني للوصول الى الحقيقة ووضع حد للإفلات من العقاب هو قضية نبيلة تستحق التزامنا وجهدنا الجماعي.
ونحن نستعد للمغادرة، فإنني أدرك أكثر من أي وقت مضى الآمال التي يعلقها الشعب اللبناني علينا، كما أنني مدرك أيضاً المخاوف والشكوك التي يولدها أي عمل لم تعرف نهايته بعد. وكما أسلفت القول، فإن ثقة الرأي العام في العمل وفي المؤسسة القائمة عليه أمر جوهري لنجاح تفويضنا. وعليه، فإننا سنواصل شراكتنا مع أجهزة الإعلام لتعزيز هذه الثقة. كما أن أبوابنا ستظل مشرعة أمام أجهزة الإعلام بغية مساعدة ممثليها في نقل الوقائع الحقيقية والتي على ضوئها يمكن الرأي العام أن يحدد ما يراه من مواقف.
ولم أشأ أن أغادر لبنان من دون مخاطبتكم أنتم اللبنانيين مباشرة لأبلغكم أن انتهاء تفويض اللجنة ما هو إلا انتهاء فصل واحد من فصول القضية، وليس انتهاء مهمتنا. إننا سنواصل عملنا بحماسة وعزم متجددين. إننا لملتزمون بالتفويض الذي منحه لنا الشعب اللبناني من خلال مجلس الأمن الدولي. ولن تحبط عزائمنا العراقيل ولا ضخامة التحديات. إننا عاقدون العزم على أن نمضي حيثما تقودنا الأدلة وسنبذل كل جهد لتحقيق غايتنا.
ستتواصل تحقيقاتنا من لاهاي في هولندا، إلا أن مكتب مدعي عام المحكمة الخاصة بلبنان سيكون له مكتب ميداني في بيروت. وسيكون هذا الفرع بمثابة قاعدة للمحققين الذين سيأتون الى لبنان في مهمات منتظمة لجمع الأدلة ومقابلة المسؤولين اللبنانيين وكذلك الشهود بحسب الحاجة والاقتضاء.
وأود أن أزجي الشكر للسلطات اللبنانية لما قدمته من مساعدة وتعاون قيمين للجنة التحقيق، ويقيني أن مكتب مدعي عام المحكمة الخاصة بلبنان سيحظى بالقدر ذاته من التعاون. كما أود أن أعبر عن عميق امتناني للشعب اللبناني الذي ظل منذ عام 2005 يحيط اللجنة بكرمه ودعمه. كما أود أن أحيي شجاعة اللبنانيين وقدرتهم على الصمود أمام المحن وقوة عزيمتهم من أجل صنع مستقبل أفضل للأجيال القادمة. لقد تعلمنا الكثير من لبنان وشعبه.
إن التزامي تجاهكم هو أن أخدم قضية العدالة وفقاً لمنهج تمثل الحقائق والأدلة قاعدته الحصرية.
إن مكتب المدعي العام، شأنه في ذلك شأن اللجنة، لن يكون عرضة لتأثير الاعتبارات السياسية، إذ إنه لا يمكن، ولا ينبغي أن تستخدم العدالة أداة سياسة. ومثلما هي الحال بالنسبة الى عمل اللجنة، ينبغي ألا تكون نتائج تحقيقات مكتب المدعي العام والخطوات التي سأقررها بصفتي مدعياً عاماً، وكذلك ما ستخلص اليه المحكمة الخاصة بلبنان، موضع أحكام مسبقة او تكهنات.
إن المحكمة الخاصة بلبنان لا تسعى الى الانتقام، بل الى الحقيقة. إن كل المعنيين شهوداً كانوا أم موقوفين أم متهمين، سيُعاملون في شكل يحفظ كرامتهم. إن مقتضيات العدالة لا تقبل بأقل من ذلك، وحفظ كرامة الإنسان هي السمة المميزة لأي مسار عدلي يراد له أن يتسم بالصدقية والإنسانية.
وفي الختام أود أن أطمئن الجميع بأنني وفريقي سنبذل كل جهد ممكن انسانياً وقانونياً لجلاء الحقيقة وجلب المسؤولين عن الجرائم التي تقع في نطاق اختصاصنا الى العدالة. وهذا هدف ينبغي ألا ينفرد به مكتب المدعي، بل يجب أن يكون هدفاً عاماً يصر على تحقيقه كل أفراد الشعب اللبناني.
وداعاً.
بيروت 28 شباط 2009
* رئيس لجنة التحقيق الدولية المستقلة والمدعي العام المعين للمحكمة الخاصة بلبنان
"الحياة"




















