الحياة – 28/02/09//
مع إعلان رفض حزب «العمل» الإسرائيلي بزعامة ايهود باراك، الانضمام إلى الائتلاف الحكومي الموسع، بدأ الرئيس شمعون بيريز ينصح بضرورة تشكيل حكومة يمينية ضيقة برئاسة بنيامين نتانياهو.
وقد ارتفعت حظوظ هذا الخيار بعدما اعتذرت زعيمة حزب «كديما» عن المشاركة في حكومة يمينية لا تقبل بقيام دولتين، ولا تسمح بالتفاوض على أساس المبادرة العربية. ومن المتوقع أن يتفق وزير الدفاع باراك مع وزيرة الخارجية ليفني على تأليف جبهة معارضة تضم نواباً من الوسط واليسار وكل المطالبين بتحقيق مشروع قيام دولتين لشعبين. ولكن هذا التجمع لا يستطيع منع نتانياهو من تشكيل حكومة تنال أكثر من 65 نائباً في حال ضم إليها ليبرمان. وبما أن المهلة المعطاة لزعيم «ليكود» تنتهي بحلول الثالث من نيسان (ابريل) على أبعد تقدير، فإن الرئيس شمعون بيريز ينتظر وصول وزيرة خارجية أميركا هيلاري كلينتون الأسبوع المقبل إلى الضفة الغربية وإسرائيل لعله يستكشف منها الخطوط العريضة لخطة السلام التي يعدّها الرئيس أوباما. وتشير «واشنطن بوست» إلى أن الإدارة الجديدة تتجه إلى وضع خطة تضمن أمن إسرائيل عن طريق إقامة سلام اقليمي يكفل هذا الأمن. وربما تسلم الوزيرة كلينتون مسؤولية هذا المشروع إلى مبعوث الإدارة جورج ميتشل الذي وصل إلى المنطقة بحيث يصبح بإمكانه التنقل بين العواصم المعنية.
ويبدو أن الوزيرة كلينتون قد استثمرت أفكار المفاوضين السابقين، ثم صاغت حلاً وسطاً يحتاج إلى بعض التعديلات. ومن المتوقع أن يعرض على الأوروبيين، وعلى الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، قبل أن تتم بلورته كمشروع حل.
يشير المشروع إلى ضعف السلطة الفلسطينية وعدم قدرة «فتح» على تحمل مسؤولية الأمن الداخلي، إن كان في الضفة الغربية أم في قطاع غزة. وقد اقترح الجنرال جيمس جونز (الأمن القومي) تسليم مهمات الأمن إلى قوة دولية تابعة للحلف الأطلسي. وتعهدت روسيا بإرسال قوة مشاركة أيضاً. ويستمر وجود هذه القوات ثلاث سنوات فقط، تقوم خلالها القوات الإسرائيلية بالانسحاب من وادي الأردن، والاحتفاظ بمحطات انذار. وفي الوقت ذاته، تنتقل مهمات السيطرة على المعابر الحدودية إلى السلطة الفلسطينية. أما بالنسبة إلى عملية تسليح الشرطة الفلسطينية، فإن طبيعة الدولة المنوي انشاؤها لا تسمح لها إسرائيل بامتلاك اسلحة هجومية ثقيلة. وتقتصر سيادتها على المجال الجوي المدني. وهذا ما تعارضه «حماس» وما ترفض التفاوض بشأنه لإيمانها بأن إسرائيل تريد الحصول على السلام العربي مقابل السماح للسلطة بأن تتولى شؤون مطار مدني لوطن غير موجود.
أما بالنسبة إلى مبدأ التفاوض «الأرض مقابل السلام»، فإن المشروع الأميركي الجديد يتحدث عن تعديلات على حدود 1967 يتبادل فيها الطرفان – الفلسطيني والإسرائيلي – مساحات متساوية من الأراضي. وهذا يقتضي ابقاء معظم المستوطنين (270 ألف نسمة) في مستوطنات الضفة الغربية، على أن تشملهم سيادة إسرائيل. وتشترط «تل أبيب» مقابل السماح بإنشاء ممر يربط الضفة الغربية بقطاع غزة، سيطرة «فتح» على القطاع. وقد أعرب الفلسطينيون عن قلقهم من انشاء جدار الفصل الذي ضم 8 في المئة من أراضي الضفة.
وكان بطرس بطرس غالي، سكرتير عام الأمم المتحدة السابق، قد انتقد بشدة قرار تشييد الجدار في عهد شارون، لأنه، في نظره، يجعل حياة الفلسطينيين جحيماً. وفي رأيه أن الجدار يمنع القدرة على التحرك والتواصل، خصوصاً عند نقاط التفتيش. وبما أنه لم يشد على الخط الأخضر، فإن القانون الدولي يعتبره اعتداء على سيادة الغير. وهذا ما أقرته محكمة العدل الإسرائيلية التي دانت خط سير الجدار لكونه يمنع أي تطبيع في العلاقات. لهذا السبب وسواه، وصف غالي الجدار بأنه نسخة أخرى عن جدار برلين، أو ما كان يدعى بـ «جدار العار».
حول موضوع القدس، يقترح المشروع الأميركي إعادة الممتلكات إلى الطوائف. أي كل ما هو عربي ينبغي أن يعود إلى الفلسطينيين ودولتهم… وكل ما هو يهودي أن يعود إلى الإسرائيليين. وكان قد أقرّ في مفاوضات كامب ديفيد مبدأ تقسيم القدس إلى عاصمتين لدولتين.
ووافق الرئيس كلينتون على اقتراح يقضي بأن تبقى السيادة الفلسطينية على الحرم الشريف، بينما تنحصر سيادة اسرائيل بالجدار الغربي. ولكن مارتن انديك، السفير السابق والمستشار الحالي لوزارة الخارجية، وضع خطة يمكن ان تتبناها الوزيرة كلينتون. ومفادها ان المدينة القديمة والمواقع الدينية فيها تكون تحت اشراف دولي. بكلام أوضح: يصار الى وضع نظام خاص لإدارة المدينة القديمة مع إبقاء الأماكن المقدسة داخل جدران المدينة تحت رعاية الهيئات الدينية الثلاث.
وفي آخر تصريحاته قال شمعون بيريز عن موضوع مستقبل القدس، ان المناخ الحالي لا يسمح بحوار هادئ حول قضية مشحونة بالمشاعر والرموز. أنا اعتقد بأن القدس يجب ان تكون مدينة مفتوحة ومنزوعة السلاح… موحدة سياسياً، ولكنها مقسمة دينياً. ولتأخذ كل طائفة من الطوائف المعنية مسؤولية الأماكن المقدسة الخاصة بها.
تبقى في مشروع التسوية نقطة خلاف جوهرية تتعلق بمسألة حق العودة للفلسطينيين، انه الحق المعلن عنه في حقوق الانسان وفي القرار 194 الذي صوتت عليه منظمة الأمم المتحدة في 11 كانون الأول (ديسمبر) سنة 1948.
الجانب الاسرائيلي يتحدث عن حق العودة كقنبلة ذرية ديموغرافية يمكن ان تهدد وحدة اسرائيل وتماسكها. في حين يتحدث الفلسطينيون عن هذا الحق كاعتراف بالمسؤولية الاخلاقية والمعنوية والأدبية عن خلق مشكلة اللاجئين. ويرى المشرعون ان اعتراف اسرائيل بحق العودة يعادل اعتراف الدول بجرائم الحروب والارتكابات التي اقترفتها. والتهجير القسري لم يكن أقل من إبادة جماعية مثلما حدث للهنود الحمر في اميركا.
المفاوض الاسرائيلي افتعل مشكلة مضادة احتمى خلفها كي يبرئ ضميره من الذنوب والآثام، فقد أدعى ان الدول العربية طردت بعد حرب 1948 عدداً كبيراً من اليهود يوازي تقريباً عدد الفلسطينيين الذين طردوا من بلادهم، إضافة الى هذا، قامت بمصادرة أراضيهم التي تشكل ضعفي مساحة فلسطين.
الخطأ في هذه المقارنة ان «الوكالة اليهودية» هي التي شجعت على هرب اليهود من العراق وسورية ومصر وسائر الدول العربية. وقد نُشر في هذا الموضوع أكثر من خمسين كتاباً، بينهم كتاب يروي فيه عميل «الموساد» كيف كان يزرع القنابل في معابد اليهود ومنازلهم بهدف ترويعهم وحثهم على الهرب الى اسرائيل.
قبل التوصل الى مراجعة المشروع الاميركي لا بد من تجاوز مرحلتين مهمتين: أولاً – تشكيل حكومة اسرائيلية ترضى باستئناف المفاوضات من حيث توقفت، وترضى ايضاً بحل يشمل اقامة دولتين. ثانياً – إقناع «حماس» بقبول مبدأ التفاوض على مشروع السلام لا على هدنة طويلة. والقبول بمشروع السلام يتطلب الاعتراف باتفاق اوسلو واتفاق مدريد، والاعتراف باسرائيل. وكما جاءت صواريخ «القسام» بحكومة يمينية متطرفة، كذلك يُفترض ان تأتي مجازر غزة بمرشحي «حماس» في حال جرت الانتخابات قريباً.
ويرى نتانياهو ان العمق الاستراتيجي الذي حصلت عليه اسرائيل عقب حرب 1967، لم يعد مهماً لأمن بلاده. والسبب ان صواريخ «القسام» المنطلقة من قطاع غزة… أو صواريخ «حزب الله» المنطلقة من جنوب لبنان، اصبحت قادرة على تشويش الأمن الداخلي بطريقة تتعدى البُعد الاستراتيجي. ومعنى هذا ان الخطر لم يأت من الخارج فقط، بل من الداخل ايضاً، أي من غزة وجوارها.
في الخطاب المثير الذي ألقاه الرئيس باراك أوباما يوم تنصيبه، طرح نفسه كقائد ثوري جاء لإحداث تغيير عميق باسم قيم قديمة خالدة.
وفي توجهه الى الأسرة الدولية، تحدث أوباما عن استراتيجية دولية تمارس استخدام القوة بحذر وتعقل. وذكر بأن الأجيال السابقة دحرت الشيوعية والنازية ليس فقط بالدبابات والطائرات، بل بالأحلاف المتينة والمعتقدات الراسخة. ودعا في خطابه الى اقامة علاقات جديدة بين الولايات المتحدة والعالم الاسلامي، تقوم على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
واقتطعت صحيفة «هآرتس» من الخطاب عبارات تتحدث عن فشل القوة وحدها في توفير الأمن المطلوب. وقالت ان القوة تؤثر عبر الاستخدام الحذر لها، والأمن ينبع من عدالة الهدف. وعليه رأت الجريدة ان السلام الذي يطمح أوباما ان يقيمه في الشرق الأوسط، لا ينبع من سياسة «الرصاص المصهور»، بل من سياسة السلام العادل.
يقول المراقبون في واشنطن إن نتانياهو المعارض لاتفاقات أوسلو، والرافض لقيام دولة فلسطينية، يسعى إلى تجميع أكبر عدد من «صقور» اليمين المتطرف والأحزاب الدينية. وهم يتوقعون حدوث خلافات بينه وبين الرئيس أوباما العازم على إعادة اطلاق مساعي السلام في الشرق الأوسط، خصوصاً أن الذين يشكلون 65 نائباً من مجموع 120، جميعهم ينتمون إلى تيارات معارضة مثل «ليكود» و «اسرائيل بيتنا» و «شاس» و «يهدوت هتوراة» و «الوحدة الوطنية» و «البيت اليهودي». ويستدل من مراجعة مواقف هذه الأحزاب أنها لا تنوي القيام بأي تسوية سياسية على أساس دولتين لشعبين.
المخرج القانوني الذي يعتمد عليه الرئيس شمعون بيريز يقضي باستثمار الوقت إلى أبعد الحدود. وهو يتوقع فشل نتانياهو في تشكيل حكومة ائتلافية تضم عناصر من مختلف الاتجاهات. وهذا معناه تمديد فترة الـ28 يوماً إلى زيادة 14 يوماً أخرى، كما ينص الدستور. ويراهن بيريز على ضغوط «اللوبي اليهودي» في الولايات المتحدة من أجل تغيير حكومة «الصقور» التي ينوي زعيم «ليكود» تشكيلها. ومع أنه حصل على نسبة واسعة من الشريحة الشعبية، إلا أن نتانياهو يستند في مرجعيته السياسية والمادية إلى يهود الولايات المتحدة الذين احتضنوه وأطلقوه. من هنا القول إن توقيت الخلاف مع أوباما قد لا يكون في صالح يهود أميركا الذين تعاني مؤسساتهم المالية والإعلامية من عجز يحتاج إلى دعم الدولة المركزية.
يستنتج من توجهات أوباما أنه رئيس يسعى إلى تفكيك نظام المواجهات المتواصلة الذي أنشأه جورج بوش مع ديك تشيني. وإذا كان نتانياهو يؤمن بأن ضمان بقاء إسرائيل، يتأتى من الاعتماد على قوتها المسلحة وعلى إسهام هذه القوة في صنع سلامها وأمنها… فإن أوباما يعتقد بأن السلام الذي اختصره العرب في مبادرة الملك عبدالله بن عبدالعزيز، قد يكون الضمانة الأولى لتوفير أمن اسرائيل.
للخروج من هذا الواقع، يتهم نتانياهو «حماس» بأن مواقفها المتشنجة هي التي تعرقل بلوغ السلام مع الفلسطينيين، كما يتهم محمود عباس بالضعف لأنه عاجز عن تطويع «حماس» وإرغامها على القبول بالسلام الاسرائيلي. وهو في الحالين يزوّر الحقائق هرباً من الاعتراف بأن الذين سيضمهم الى حكومته يبزّون «حماس» من حيث التطرف والعداء… وبأن ايهود اولمرت لم يقدم لمحمود عباس سوى الكلام المعسول والوعود الفارغة!
* كاتب وصحافي لبناني




















