الحياة – 01/03/09//
هذا يوم للتاريخ: الأول من شهر آذار (مارس) للبنان وللعدالة الدولية مع افتتاح بدء عمل المحكمة الدولية الخاصة بكشف المسؤولين عن اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وسائر عمليات الاغتيال التي أعقبت ذلك، قبل 1477 يوماً.
في المبدأ يعتبر قيام المحكمة بحد ذاته هو الحدث بعد الكثير من عمليات التجاذب اللبنانية والاقليمية والدولية اضافة الى أن طبيعة قيام هذه المحكمة تعد سابقة لا مثيل لها في التاريخ القضائي الدولي، إذ أنها تختلف كلياً عن المحكمة الخاصة بجرائم حرب يوغوسلافيا السابقة، أو بأحداث سيراليون.
وإذا كان هناك الكثير من القضايا والشؤون الخلافية بين مختلف الأفرقاء في لبنان فهناك ما يشبه الإجماع حول الكشف عن حقيقة مؤامرة الاغتيال وما أعقبها ولو اختلفت الأسباب والدوافع لكل فريق، لكن الموضوعية تقتضي رؤية الصورة من الملامح والجوانب كافة. فمع الاعتراف بأهمية قيام المحكمة في لاهاي لكن الاحكام التي يمكن أن تصدر عنها دونها الكثير من المعوقات والتي يمكن أن تندرج تحت عنوان «العدالة المؤجلة»، باعتبار أن البداية الفعلية لأعمالها لن تكون قبل نهاية العام الحالي وبداية العام المقبل. ثم ان المرحلة الأولى من المحاكمات يقدّر لها أن تستمر لمدة خمس سنوات تعقبها فترة زمنية مماثلة للاستئناف والتمييز. وتعليقاً على هذا الأمر أبلغ زعيم لبناني بارز «الحياة» أنه يكفي فريق 14 آذار صدور القرار الظني والذي سيشير بأصابع الاتهام الى الفاعل الحقيقي بقطع النظر عن المراحل الأخرى من عمل المحكمة ومن ذلك نقل الشهود الى لاهاي وتأمين الحماية لهم، الى ضمان الأمن الشخصي للقضاة اللبنانيين والدوليين، وسيقتصر الأمر هذا اليوم على القضايا الإجرائية ذات الطابع الاحتفالي، وخلال فترة ستين يوماً يمكن أن يقرر رئيس لجنة التحقيق القاضي الكندي دانيال بيلمار – الذي سيصبح اعتباراً من هذا التاريخ المدعي العام – نقل الموقوفين (الضباط الأربعة في سجن رومية) وعدد آخر من الشهود المطلوب مثولهم أمام المحكمة الى لاهاي.
يتزامن هذا الحدث مع تطورات انعطافية الطابع في العلاقات العربية – العربية مع انطلاق قطار المصالحات بعد أن «حفرنا حفرة عميقة للخلافات ودفناها فيها»، وهذا التوصيف هو للأمير سعود الفيصل بعد لقائه وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير في باريس، والذي أكد على «عدم العودة الى مناقشة الماضي بل البحث في ما نتطلع إليه مستقبلاً».
وهناك بعض الخلفيات المهمة لهذا التطور النوعي الذي طرأ على العلاقات العربية – العربية. ومن أبرز الخطوات التي تم الاقدام عليها وسط الشرذمة وتباعد المواقف المبادرة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال القمة العربية الاقتصادية الأولى والتي عقدت في الكويت الشهر الماضي، وصدر في حينه بعض التعليقات التي تحدثت عن عدم اكتمال عقد المصالحة كما يجب. وفي سبيل تأكيده على جدية هذا الاقتراح بالدعوة الى دفن الخلافات العربية الى غير رجعة، جرت محادثات مكثفة بين الرياض ودمشق ومن أبرزها زيارة رئيس الاستخبارات السعودية الأمير مقرن بن عبدالعزيز الى دمشق ونقله رسالة الى الرئيس بشار الأسد، وتبع ذلك زيارة وزير الخارجية السورية وليد المعلم الى الرياض قبل أيام حيث عقد محادثات «ايجابية جداً»، مع الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
ويرسم سيناريو المرحلة الآتية على الشكل التالي:
تكثيف الاتصالات بين الرياض ودمشق وتدعيم مرحلة المصالحات العربية. يضاف الى ذلك دخول مصر على خط المصالحات واحتمال عقد قمة ثلاثية أو رباعية تضم المملكة العربية السعودية وسورية ومصر استناداً الى المساعي الحميدة التي تبذلها الرياض مع القاهرة في هذا المجال.
وتنقسم الآراء ككل شيء في لبنان، فهناك فريق يبدي تفاؤله بقيام «العصر العربي الجديد» الأمر الذي سيخلق حالة من الاسترخاء أو الارتياح تمهيداً لإجراء الانتخابات اللبنانية المقررة في السابع من حزيران (يونيو) المقبل. في حين يرى فريق آخر أن نشر حالة من السلم في لبنان يستوجب توفر العديد من العناصر، وفي طليعتها الحفاظ على السلم الأهلي وعلى صيغة التعايش والاستعداد لفترة تطول أو تقصر وفق التطورات، لأن هذا الفريق يعتبر أن الانقسام الحاصل بين مختلف الأفرقاء في لبنان لن تتوفر له الحلول السريعة أو السحرية لأن الكثير من الشؤون الجوهرية يباعد بين اللبنانيين ويتصل بصيغة العيش المشترك ومدى التفاهم على الاستراتيجية العامة لمواجهة اسرائيل، بين فريق لا يؤمن إلا بأسلوب النضال المسلح، وهذا يمثله «حزب الله» وحلفاؤه وفي طليعتهم «التيار الوطني الحر»، فيما يعتبر أنصار تجمع 14 آذار أن لبنان لا يمكنه بمفرده أن يخوض معركة المقاومة والتحرير، فيما الأطراف العربية الأخرى، وفي طليعتها سورية، تخطط لعمليات سلام وتهدئة مع اسرائيل عبر المفاوضات سواء المباشرة منها أو غير المباشرة عبر وساطة تركيا.
وتتوفر قناعة لدى فريق من اللبنانيين الذين عايشوا سلسلة الحروب الأهلية على اختلافها أن لبنان سيكون «دافع الضرائب» في أي وضع اقليمي أو عربي استجد. ويرى أصحاب هذا الرأي أن تعايش لبنان مع كل هذه المراحل الاستثنائية في تاريخه المعاصر أوجد شرخاً كبيراً بين اللبنانيين لن تنفع معه كل المحاولات الجارية، في حين أن أجواء التهدئة الموعود بها لن تنعكس بالقدر الفاعل لاستعادة الوحدة بين الأفرقاء على مختلف اتجاهاتهم.
وبالتأكيد عندما يشعر اللاعبون المحليون أن قواعد اللعبة قد تغيرت ولو إلى حين فلن يكون بمقدور أي طرف فرض الحل على الجميع، وكذلك أكدت التجارب أنه ليس باستطاعة أي فريق إلغاء الفريق الآخر، تحت أي شعار.
هل نحن أمام أكبر عملية خلط الأوراق في المنطقة، ومرحلة قطف ثمار التجاذبات بين «محور الاعتدال» و «محور الممانعة»؟
في معرض الحديث عن المواقف في هذا الوقت العصيب في التاريخ العربي لا بد من اطلاق صفة ملك المصالحات والاصلاحات على الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وفي هذا الاشارة إلى سلسلة المراسيم التي أصدرها أخيراً والتي تتصل بتحديث القوانين في شتى المؤسسات السعودية، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها مثل هذا التطور النوعي منذ مبايعته قبل ثلاث سنوات ويزيد.
وفي سياق ربط الداخل بالخارج والعربي والاقليمي بالدولي، لا بد من التوقف عند المتغيرات الجذرية التي أعلنها الرئيس الأميركي باراك أوباما والتي كشف عنها في خطابه الأول أمام أعضاء مجلسي الكونغرس واختصرها بطرح الشعار التالي: «نظهر للعالم بالأقوال والأفعال ان عصراً جديداً من الحوار قد بدأ ونعرف أن أميركا لا تستطيع مواجهة تهديدات هذا القرن بمفردها، والعالم لا يستطيع مواجهة هذه التهديدات من دون أميركا». وهذه المعادلة الجديدة تسقط حالة الغرور التي سادت السياسات الأميركية في عهد جورج دبليو بوش (من ليس معنا فهو ضدنا) الى طرح أكثر تواضعاً ورغبة في الشراكة بين الولايات المتحدة ودول العالم. وكأن اوباما يسعى الى ترميم صورة الحلم الأميركي التي اصيبت بالتشوه الكبير خلال السنوات الأخيرة، ويقترن ذلك بتعجيل الانسحاب الأميركي من العراق، والتركيز على الحرب ضد الإرهاب في افغانستان، مع وجود معلومات تفيد بأن الارتباط الأميركي بالوضع في افغانستان يبدو مرشحاً للخضوع الى تغييرات جذرية تستهدف المزيد من التورط الأميركي.
إذاً، حالة استرخاء مع إقلاع قطار المصالحات العربية – العربية، وبناء العلاقات العربية – الأميركية على أسس جديدة، ما لم يحدث ما ليس في الحسبان من الفريق المتضرر من المصالحات والوفاق.
* كاتب وإعلامي لبناني




















