وسام سعادة
معسكر "الممانعة" لا يريد أن يصدّق. لقد باشرت المحكمة الدوليّة أعمالها. معسكر "الممانعة" غاية في التوجّس. عبثاً يحاول الجمع بين تأكيد "احترامه" للمحكمة الدوليّة متمنياً لها التوفيق في أعمالها، وبين تخوّفه من أن تكون المحكمة الدوليّة "مؤامرة" على "الأمّة" وتخويفنا بأن مؤامرة دوليّة لربّما كانت تتهدّد المحكمة.
يطالب هذا المعسكر بالشيء ونقيضه. يستنكر "تسييس" القضية ويضغط في الوقت نفسه، وبشكل سافر، على القضاة. لكن ما "التسييس" في عرف الممانعين؟ إنّهم يعتبرون أيّ دمعة تذرف على شهيد من ثورة الأرز تسييساً، وأيّ ربط بين شهداء القضية الواحدة تسييساً. وهذا الاعتراض على كل دمعة وعلى كل ربط يؤكد أكثر فأكثر فالمزيد المزيد على حقيقة يعرفها الجميع بالحدس كما بالمنطق، وبالتحليل كما بالدليل، وهي أنّه ليس هناك إلا احتمال واحد، لا يزيد ولا ينقص، حول الجهة التي صدر عنها قرار اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء الاستقلال الآخرين، وكل احتمال آخر لا يصمد أمام القواعد الأبسط للمنطق، ويتهافت رأساً أمام أصغر الأدلّة، ويندثر تماماً عند أوّل فحص مدقّق، بل إنّ كل احتمال "اعتراضيّ" حول هوية المجرمين، وهوية كبير المجرمين، سرعان ما يتحوّل إلى دليل إضافيّ على الاحتمال اليتيم والوحيد.
ليس هناك إلا احتمال سياسيّ واحد حول هوية القاتل. والمحكمة الدولية ليست معنية بالمقابلة بين احتمال وآخر، وليس يمكنها التعامل إلا مع احتمال سياسيّ واحد، وعلى قاعدة أنّه لا يكفي لوحده، وإنّما من الضرورة رسم كامل خارطته الجنائية، في ضوء ما توصّل اليه التحقيق الدوليّ، وعلى قاعدة تسلّم ما أمكن من جناة، تمهيداً لإصدار الحكم.
هذا الاحتمال السياسيّ الوحيد ليس له ما يقارعه. وما أدرك اللبنانيون بعين اليقين منذ اللحظة الأولى لإذاعة نبأ استشهاد الرئيس رفيق الحريريّ، يدركونه اليوم بلمحة شاملة عندما يستعيدون ذكرى شهداء ثورة الأرز جميعاً والجامع المشترك في ما بينهم، وكيف أن الحملة عليهم لم تتوقف بعد القتل ومن الجهات نفسها التي هدّدتهم بالقتل. والأهم من كلّ ذلك، أنّ التحقيق الدوليّ كرّر على مدى السنوات الماضية، ترجيح ثم ترجيح ثم ترجيح ترابط الجرائم، وليس فقط ترابط نضالات الذين طالتهم هذه الجرائم.
في المقابل، وتحت ستار "لإبقاء كل الاحتمالات الأخرى مفتوحة"، يقوم معسكر الممانعة باستثناء الطرف الوحيد الذي يمكن أن يتّهم سياسياً بأنّه وراء الجرائم المتسلسلة، والمعنيّ قضائياً بإثبات تعاونه مع التحقيق الدوليّ ثم مع العدالة الدوليّة. على قاعدة "إبقاء كل الاحتمالات الأخرى مفتوحة" للحؤول دون "التسييس" يطالبون بإطلاق جنرالات النظام الأمنيّ.
ويتذاكى محور الممانعة، فيشيع في أوساطه بأنّ المحكمة الدولية تركة ثقيلة من عهدي جاك شيراك وجورج بوش الإبن ولن تصمد طويلاً في عهدي نيكولاي ساركوزي وباراك أوباما. يقولون إنّه إذا كان معتقل غوانتانامو سيقفل فإن سجن لاهاي لن يفتح.
وهم بذلك يعجزون عن رؤية المتغيّر الأميركيّ مع مجيء الإدارة الديموقراطية. فإذا كانت الإدارة الجمهورية التي سبقتها قد اصطدمت باعتداءات 11 أيلول، معلنة الحرب العالمية على الإرهاب، على قاعدة توسيع "حال الاستثناء" أو "نظام الطوارئ" على حساب القانون الدوليّ، واحتلال بلدين بموجب ذلك، وبشكل شبه متفرّد في العراق، وبما أوجد بالتالي مناخاً من "اللاحرب واللاسلم" على صعيد الكوكب، وساهم في تفشي الحركات الشعبويّة المعادية للديموقراطية الليبرالية ولاقتصاد السوق في العالم، وفي تزكية المتطرفين جميعاً في الشرق الأوسط، فإن الإدارة الديموقراطية برئاسة باراك أوباما لا تريد، في المقابل، وقف الحرب العالمية على الإرهاب، وإنّما كسبها، بإرجاعها إلى نطاق القانون الدوليّ، وتوسيع القانون الدوليّ نفسه، وبشكل أساسيّ انطلاقاً من الشرق الأوسط، ومن خلال التمهيد لأوّل حلّ للمشكلات المزمنة على قاعدة آخر ما توصّل اليه القانون الدوليّ، لأن كل الحلول المقترحة سابقاً كانت مرتبطة بمفاهيم تجاوزها القانون الدوليّ عملياً.
من هنا، فإن المحكمة الدولية بشأن لبنان تكتسب ضمانات جديدة وأكيدة مع هذا المتغيّر الأميركيّ العالميّ، فضلاً عن الضمانات المكتسبة قبل حصول هذا المتغيّر. إنها تندرج ضمن مشروع توسيع مدارك القانون الدوليّ بشكل نوعيّ لكي تكون الحرب على الإرهاب نفسها تحت سقف القانون الدوليّ وليس استثناء يقوّض هذا القانون أو استثناء على هامشه.
فالمتغيرات الدولية التي يرمز اليها وصول كل من ساركوزي في فرنسا وأوباما في أميركا، ليست تنهي الحرب على الإرهاب بل تزوّدها بشرطين لازمين غيّباً إلى حد كبير في عهد الرئيس بوش. الشرط الأوّل هو القدرة على المبادرة السياسيّة التفاوضية مع "الدول المارقة"، في ضوء مصالح براغماتية للحرب على الإرهاب. والشرط الثاني هو القدرة على توسيع إطار القانون الدوليّ بما لا يعطي فرصاً مزيدة للمروق نفسه، وللإرهاب من وراءه، فالمبادرات البراغماتية الفرنسية أو الأميركية لا معنى لها إلا إن كانت تساهم في "تربية" الدول المارقة على الإقلاع عن المروق، والدخول إلى مجتمع القانون الدوليّ، والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان بوابة ضرورية للدخول إلى هذا المجتمع.




















