من كثرة الحديث عن اللغة الخطابية المناهضة للعرب التي استخدمها متوج الملوك الجديد، أفيغدور ليبرمان، لم نُعر الانتباه إلى التحدي الذي يطرحه أمام الإسرائيليين الذين يتمنون منذ عشرات السنين حصول انقلاب في الوضع القائم العفن على جبهة الدين والدولة. وعليه، يتبين فجأة أن العائق الأساسي أمام دخول حزب " إسرائيل بيتنا" إلى الإئتلاف الحكومي برئاسة بنيامين نتنياهو، يتمثل في الخلاف الحاد بين الحزب الثالث من حيث الحجم في الكنيست الجديد وبين حزبي شاس ويهدوت هتوراة .
لم يرفع حزب إسرائيل بيتنا شعار إعلان الولاء للدولة كشرط للمواطنة فحسب، بل إنه نادى أيضا بقانون "عقد الزواج" ( زواج مدني) والذي من شأنه أن يكون الصدع الأول في السيطرة الحصرية للمؤسسة الدينية في موضوعي الزواج والطلاق في إسرائيل. فحزب إسرائيل بيتنا يدفع أيضا باتجاه إدخال إصلاحات شاملة في موضوع التهويد تؤدي إلى تجريد قضاة المحاكم الدينية الحاخامية من مفاتيح الدخول إلى العالم اليهودي. وعلى الرغم من أن السياسيين المتدينين من الحريديم ليسوا مشتبهاً بهم بالتعاطف مع العرب في إسرائيل، إلا أنهم يعارضون أيضا وبشدة مطلب ليبرمان بضرورة الإدلاء بإعلان الولاء وذلك لعدة أسباب من جملتها مسألة الالتزام بأداء الخدمة العسكرية أو الوطنية.
هل يحاول ليبرمان أن يمسك الحبل من طرفيه، أي تقويض الهيمنة الحاخامية وأداء قسم الولاء ليس للهوية اليهودية للدولة فقط، بل للهوية اليهوديةـ الدينية؟ بالنسبة للحريديم، الذين يرون في الدين انصياعا أعمى لأوامر الحاخامين، يوجد بالطبع تناقض تام. لكن العلمانيين أيضا، الذين يربطون بين تغيير الوضع القائم وبين فصل الدين عن الدولة، سيجدون صعوبة في فهم ليبرمان.
الانتخابات الأخيرة نقلت كفة الميزان الائتلافية من شاس إلى الحزب الذي غالبية ناخبيه هم من مهاجري دول الاتحاد السوفياتي السابق. وقد حذّر الحاخام عوفاديا من هذا الأمر قبل الانتخابات عندما نبّه بأسلوبه السافر مِن أن مَن يصوت لحزب إسرائيل بيتنا يساعد الشيطان، ومِن أن ليبرمان يقود نحو الاختلاط وبيع لحم الخنزير في ساحات المدن. لكن الخطر الذي ستتعرض له المؤسسة الحاخامية من رؤية ليبرمان هو أعمق من فقدان قوة المساومة السياسية.
إسرائيل هي دولة علمانية في جوهرها، تنازلت عن سيادتها في مجالات الأحوال الشخصية والتهويد لصالح المؤسسة الحاخامية. وفي تصور ليبرمان، الدولة هي السيد الوحيد، والحاخامون خاضعون لها، بحيث لا يمكن أن يكون هناك فصل بين الدين والدولة. ليبرمان هو السياسي الأول الذي يُعلن بأنه يجب على الدولة أن تكون دينية، لكن من دون أن يكون الحاخامون هم من يحدد معنى هذا الطابع.
يتبين من تصريحات ليبرمان في مجال التهويد والزواج، أنه يتوقع من الحاخامين تليين مواقفهم والتنازل عن مبادئهم وفق ما يتناسب مع احتياجات الدولة والمجتمع. ففي قرار نفسه يرى ليبرمان منظومة علاقات بين السلطة والحاخامية، تشبه جدا العلاقات القائمة بين الكرملين وبين الكنيسة الروسية الأرثوذوكسية. فزعماء الكنيست يتمتعون بالاحترام الكبير كحامين ومحافظين على الإرث القومي، لكن يتوقع منهم خدمة الدولة، لا أن تخدمهم الدولة. إذا أصبح ليبرمان شريكا كبيرا في الحكومة، فسيحاول مأسسة نوع من الزواج المدني وتليين إجراءات التهويد بشكل كبير. لكنه محظور الوقوع في الخطأ، فاليهودية بحسب ليبرمان هي دين شوفيني وقومي، أداة في يد السلطة والرجل القوي الذي يرأسها.
("هآرتس" 26/2/2009




















