توقيت أولمرت لتهديده بضربة جديدة في غزة، بحيث أتى عشية مؤتمر المانحين لإعادة اعمار القطاع؛ ما كان صدفة. حرصه على التأكيد، بأن إسرائيل لن تتردد في ارتكاب مجزرة أخرى أشد وأقسى؛ ينضح بالاستفزاز. ليس للفلسطينيين وقضيتهم فحسب، بل أيضاً للحضور الدولي الواسع ـ أكثر من سبعين دولة و16 منظمة دولية وإقليمية ـ الذي جاء إلى شرم الشيخ، للتعاون في إزالة آثار عدوانها.
كما أن تهديده يأتي للتذكير، وبكثير من التحدّي والغطرسة، بأن إسرائيل لا تعير للردود الدولية أي اعتبار؛ ولا تخشى أية مساءلة. تتصرف على أساس أنها تنعم بامتياز، يضعها فوق الجميع، بحكم أن مظلة حمايتها مضمونة. تمرّد، طبع سلوكها في كافة فصول ومحطات تاريخها العدواني. فهي ليست في وارد الكف عن التدمير، طالما أنها لا تحاسب؛ وطالما أن غيرها يتكفل بالتعمير.
كان الأجدر مطالبة إسرائيل بالتعويض، على أهل غزة. مرتكب الجريمة، عادة يدفع الثمن. على الأقل ثمن نحر المدنيين وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم. الاتفاقيات والمواثيق الدولية، تكفل حمايتهم أثناء الحروب والعمليات العسكرية. في كل مرة، كانت تفلت من الحساب؛ لتعود إلى الدوّامة نفسها. صارت كاللازمة، في غياب السلام؛ الذي لم تترك إسرائيل حيلة إلاّ ولجأت إليها لنسف فرصه واحتمالاته. الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، جدّد أمس التصويب على خطورة هذا الغياب وضرورة وضع حدّ له.
دعوته كانت صريحة لربط إعادة الاعمار، هذه المرة، بـ «عملية السلام». شدّد على «وجوب وقف دائم ووطيد لإطلاق النار، وفق ما طلبه مجلس الأمن». وهو ما عملت إسرائيل على تخريبه في آخر لحظة.
كما شدّد على «الحاجة بأن تفي إسرائيل بالتزاماتها». وليقوم السلام على أسس عادلة ودائمة، دعا الأمين العام إلى» إنهاء الاحتلال الذي بدأ عام 67 وتحقيق السلام الشامل؛ مع إقامة دولة فلسطين في غزة والضفة، بما فيها القدس الشرقية». كلام يزعج إسرائيل، ولو أنه ليس بجديد. لكن كونه صادراً عن صاحب هذا الموقع وفي مؤتمر من هذا النوع؛ من شأنه أن يزيد من تسليط الأضواء وبالتالي الضغوط، حتى لو بقيت مكبوتة، على الدولة العبرية.
المساعدة التي وفّرها المؤتمر لإعادة اعمار غزة، خطوة مشكورة. لكنه تبقى بمثابة تقديم الإسعافات العاجلة لنزيف مفتوح. خاصة وأن حليمة الإسرائيلية تتحفز، جرياً على المألوف، للعودة إلى عادتها القديمة؛ لعبتها في غزة وغيرها. نتانياهو يشحذ سيوفه. وأولمرت يعمل جهده لتسليمه الملف على صفيح ساخن. وما على الأطراف الفلسطينية سوى الإسراع في المصالحة.




















