في آخر تقارير وزارة الخارجية الأميركية حول حقوق الانسان في العالم وزّعت واشنطن الإدانات والاتهامات في كل الاتجاهات.. متلذذة في ذلك بدور الوصي على حقوق خلق الله وكذلك بدور من يعطي الدروس للجميع ويحاول فرض نمط معيّن على كل الدول والشعوب دون مراعاة لظروفها وخصوصياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية… وكلها عوامل محددة لازدهار ثقافة متوازنة لحقوق الانسان في شموليتها…
من حق الإدارة الأميركية أن تصدر من التقارير ما تشاء..
ومن حق كل الدول أيضا أن تعترض على فحوى هذه التقارر وان ترفضها وتردّها على أصحابها.. لأن من يسند لنفسه دور الوصي على باقي الشعوب في مجال حقوق الانسان بالخصوص وجب أن يكون سجله خاليا من أية انتهاكات وتجاوزات..
كما أن عله اعتماد أكثر المقاييس موضوعية وحيادية وأشدّها استعصاء على التوظيف السياسي والتوجيه خدمة لمصالح باتت مكشوفة لكل خلق الله… عليه أيضا نبذ أية ازدواجية في المكاييل والموازين بما يحفظ لهذه القيم الكونية قداستها ونقاءها ويجنبها التحول الى سلعة تباع وتشترى في بورصات السياسة ومزادات المصالح…
وحين نستعرض كل هذه المجالات فإننا نجد السجلات الأميركية أبعد ما يكون عن الصفاء والنقاء من أية انتهاكات او توظيف مكشوف للعين المجرّدة… وسنكتفي بسرد مثال واحد لازدواجية المكاييل الاميركية وللتوظيف الذي تخضع له هذه التقارير وهو ما يجرّدها من عنصري النزاهة والموضوعية الأساسيين في مثل هذه الحالات…
هذا المثال يتعلق بالعدوان الصهيوني على غزة.. حيث أطلقت اسرائيل آلتها الحربية الجهنمية لتدك القطاع بمن فيه من بشر وحجر وشجر… لا تفرّق بين أهداف مدنية وأخرى عسكرية (ان كانت موجودة أصلا في القطاع)…
ولا تعبأ بالمباني الأممية وبمدارس الاطفال الصغار التابعة للأنروا ولا حتى بالمدرسة الأميركية التي دمرت بالكامل في هذا العدوان… وكل هذا معناه أن الكيان الصهيوني ـ الحليف الاستراتيجي لأميركا ـ قد ضبط بالانتهاك الموصوف لحقوق الانسان الفلسطيني وبجريمة الإبادة الجماعية واحتراف جرائم الحرب الموصوفة…
لكن عيون واشنطن ومراصدها لم تر كل هذا وما انفكت تشجع العدوان الصهيوني وتعطيه الغطاء السياسي اللازم في مجلس الأمن من خلال تعطيل صدور قرار بوقف اطلاق النار، وخارجه من خلال التأكيد على «حق اسرائيل» في الدفاع عن النفس وهو ما أعطى آلة الحرب الصهيونية الوقت الكافي لتستكمل تدمير القطاع فوق رؤوس الابرياء العزل…
أما حين «تتواضع» العيون الامريكية وتحاول التظاهر بموضوعية مجروحة فإنها تسوي بين الجلاد والضحية وهذا ظلم آخر لأبناء الشعب الفلسطيني الذين يعانون في الاصل ظلم الاحتلال بما فيه من قهر واذلال… ثم ان صاحب «ابداعات» سجن «أبو غريب» ليس مخولا لاعطاء الدروس.
لماذا لا تبدأ أميركا بالكنس أمام دارها أولا وأمام ديار حلفائها وفي طليعتهم اسرائيل قبل أن تسعى الى نشر ما تسميه غسيل الآخرين؟ لماذا لا تتخلص من هذه الازدواجية المقيتة ومن هذا التوظيف الرديء لقيم كونية تعد مطمح كل الشعوب؟ ولماذا لا تكبح جموحها المرضي لإعطاء الدروس ومحاولة فرض نموذجها على باقي خلق الله؟.. ان أميركا في عهد الرئيس أوباما مطالبة بالاجابة عن كل هذه التساؤلات وبأن تكون المثل والقدوة في الموضوعية والنزاهة ونصرة حقوق الانسان لوجه الله حتى تكون صوتا مسموعا وحتى تكتسب تقاريرها في المجال ـ مثل تقرير الخارجية الاميركية ـ المصداقية اللازمة التي تجعلها فعلا أداة إصلاح وليس معول هدم… ونموذجا يغري بالاتباع وليس منوالا يفرض بالقوة وبالترهيب أو على ظهور الدبابات.




















