الياس حرفوش
ليس اكيداً اذا كان الإعلان عن افتتاح كل من "حزب الله" وحليفه "التيار الوطني الحر" معركته الانتخابية في اليوم ذاته الذي افتتحت فيه المحكمة الخاصة بلبنان اعمالها، مجرد صدفة او توقيتاً مقصوداً. هناك ميل لاستبعاد الصدفة في هذا الالتقاء بين المناسبتين، كون موعد الاحتفال بالمحكمة كان معروفاً سلفاً. اما الاحتفاء بقرب الانتخابات وبدء التحضير لها في مناسبة افتتاح اعمال محكمة يفترض ان تقاضي المتورطين في اغتيال الرئيس رفيق الحريري فله اكثر من تفسير، لعل اقربها الى الواقع تذكير من يحتاج الى تذكير ان هذه المحكمة لم تفلت بعد من التسييس اللبناني، على رغم انتقالها الى لاهاي، وعلى رغم تأكيد المسؤولين عنها، وفي مقدمهم المدعي العام دانيال بلمار، ان التقاضي امامها والأحكام التي ستصدر عنها ستخضع لمعيار العدالة وحده، ولن تتأثر بضغوط السياسة وتأثيراتها.
مع ذلك، فسواء تعلق الأمر بالتمويل اللبناني للمحكمة، الذي يقارب نصف تكاليفها، او باستدعاء سياسيين لبنانيين ومسؤولين في الدولة للتحقيق معهم، او وضع آخرين على لوائح الاتهام، فإن القرار الحكومي في لبنان لا يزال قادراً على تحوير المسار المفترض لعمل المحكمة او عرقلته على أقل تقدير. ولا حاجة للتذكير بالمحاولات التي بذلت في هذا الاتجاه مع بدء التحضيرات لانجاز القرارات المتعلقة بالمحكمة من الجانب اللبناني والحاجة الى اللجوء الى المخارج الدولية لتسهيل مسار المحكمة في وجه تلك العراقيل الداخلية.
من هنا المعنى المهم الذي تحمله الانتخابات النيابية المقبلة. فنتائجها لن تؤثر فقط على محكمة الحريري، بل ستشمل ايضاً وجهة الحركة السياسية في لبنان والقرارات الداخلية للحكومة التي ستعقب الانتخابات وتحالفاتها الخارجية. لكن ما يعنينا هنا هو ما يمكن ان تؤدي إليه هذه النتائج من تأثير على مجرى محاكمة قتلة الحريري، في وقت يعتبر كل من الاطراف اللبنانيين انه معني بهذه المحكمة، إما للوصول الى الحقيقة ومقاضاة الضالعين في الجريمة، او لرفع التهمة المفترضة عن اغتيال الحريري، والتي وضعت منذ البداية احد الاطراف في حلقة الاتهام، بسبب الموقع السياسي الذي كان يحتله رئيس الحكومة السابق والمواقف المحلية والاقليمية التي كان يتخذها في الفترة التي سبقت اغتياله.
من هنا فإن شعار رفع التسييس عن محاكمة كهذه، على رغم كونه شعاراً جذاباً، الا انه شعار غير مقنع ولا واقعي. فنتائج المحاكمة، اياً تكن، ستحمل معنى سياسياً وستكون لها بالتالي ذيولها السياسية، مثلما حصل بعد محاكمات مماثلة. فاغتيال الحريري لم يكن جرماً تم تنفيذه لاغراض شخصية، بل كان الهدف منه ازالة الرجل ومشروعه السياسي. واذا كانت نتائج الاغتيال لم تتفق مع الاهداف التي توخاها الذين نفذوه، بل يمكن القول إنها حققت عكسها, ووفرت انطلاقة استثنائية لفريق 14 آذار في الداخل، فإن اسباب ذلك تعود الى توافر مناخ وظرف اقليمي ودولي، قبل اربع سنوات، مهّد الطريق لذلك ولقيام المحكمة ذات الطابع الدولي، اكثر مما يعود لاسباب وظروف محلية لبنانية. ولذلك فليس ما يمنع أن تتراجع تلك الانطلاقة السياسية اذا كان للمناخ الاقليمي والدولي ان يسير باتجاه رياح معاكسة.
كان يمكن تجاوز قطوع المحكمة اللبنانية لبنانياً، ولا يزال ذلك ممكناً، لو كان هناك اتفاق في البلد على مشروع سياسي، او على الأقل على إبعاد المحاكمة وذيولها عن الاصطفاف الداخلي. فمع ان الكل يعلن انه مع العدالة ومع الكشف عن الحقيقة، الا ان ردود الفعل والتسريبات الإعلامية التي رافقت افتتاح المحكمة والجدل الدائر حول مذكرة التفاهم مع الحكومة بشأن اجراءات عملها لا توحي بما يبشّر بتسهيل الامور. لقد باتت المحكمة جزءاً من الصراع الداخلي وليس اكيداً ان انتقال التحقيقات الى لاهاي سيخفف من حدة هذا الصراع او يقلل من انعكاساته المحلية والاقليمية.




















