بعد ثمانية أشهر من المشاورات، أصدرت أمس محكمة الجنايات الدولية قرارها الساعة 13:00 بتوقيت غرينيتش، فبات الرئيس السوداني المشير عمر حسن احمد البشير يواجه مذكرة توقيف دولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مع اسقاط تهمة الإبادة الجماعية. وبدا ان هذه الخطوة فتحت باب مواجهة شرسة بين هيبة القضاء الدولي، وخصوصاً محكمة الجنايات، وهيبة دولة افريقية كبرى تحظى بدعم جيرانها العرب والأفارقة وتعول على "محيطها الإقليمي والدولي". فها هو المدعي العام للمحكمة لويس مورينو اوكامبو تحدث عن احتمال توقيف البشير ما ان تدخل طائرته الأجواء الدولية، وها هي السلطات في الخرطوم ترد بالتأكيد ان رئيسها سيشارك في قمة الدوحة أواخر الشهر ولن يلغي أياً من جولاته الافريقية، رافضة "التعدي السافر" على سيادتها و"التدخل الماكر في شؤون السودان الداخلية".
وفي عرض آخر للقوة، أبطل السودان اجازات عمل عشر جماعات اغاثة اجنبية، في إشارة ملموسة هي الأولى وقد لا تكون الأخيرة الى مواجهة المنظمات الدولية عواقب قرار المحكمة. وحذر الناطق باسم منظمة "اوكسفام" البريطانية الون ماكدونالد من "تأثير مدمر على مئات الآلاف من الأشخاص. نعمل مع 600 ألف شخص في السودان، 400 ألف منهم في دارفور". وأشارت الناطقة باسم الأمم المتحدة ماري اوكابي الى مصادرة أصول بعض الهيئات. ونقلت عن الأمين العام للمنظمة الدولية بان كي – مون تخوفه من انتكاسة خطرة لعمليات الاغاثة في دارفور.
وتدير الأمم المتحدة وهيئات المساعدة أكبر عملية اغاثة انسانية في العالم، في هذا الاقليم.
وبرر نائب الرئيس السوداني علي عثمان محمد طه وقف عمل المنظمات ب"انتهاكها القوانين". وقال: "حين تتخذ منظمة المساعدات الإنسانية ذريعة لتحقيق جدول أعمال سياسي يؤثر على أمن البلاد واستقرارها، فإن إجراءات تتخذ وفق القانون لحماية البلاد ومصالحها".
ومساء عقد البشير اجتماعاً طارئاً مع نائبيه طه وسالفا كير ميارديت، رئيس حكومة الجنوب. وأفاد وزير الدولة في وزارة العدل ويك مامير أنهم رأوا أن القرار لا يخدم السلام في البلاد، وأن "الرئاسة ستبذل كل جهودها مع محيطها الإقليمي والدولي لمناهضة هذا القرار". واعتبرت وزارة الخارجية السودانية ان القرار سيزيد معاناة سكان دارفور.
وفي القاهرة، أبدى الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى "انزعاجه الشديد" من "التطور الجلل"، معلناً إرسال وفد مشترك للجامعة والاتحاد الافريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي إلى مجلس الأمن لإرجاء الإجراءات التي اتخذتها المحكمة. وللمجلس سلطة تأجيل اجراءات المحكمة فترة تصل الى سنة.
واليوم الخميس يعقد مجلس السلم والأمن الأفريقي في مقر الاتحاد الأفريقي في اديس ابابا اجتماعاً طارئاً ل"اتخاذ الإجراءات اللازمة".
وفي الطائرة التي نقلتها إلى بروكسيل من الشرق الأوسط للمشاركة في اجتماع لحلف شمال الأطلسي، أيدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون قرار المحكمة الصادر على أساس "تحقيق طويل جداً صار الآن ملكاً للقضاء، وهذا امر جيد". وأشارت إلى ان البشير "سيُمنح فرصة الدفاع عن نفسه. وإذا رأى ان الاتهام خاطئ، ففي إمكانه الطعن فيه. لكنني آمل الا يؤدي هذا الامر الى مزيد من العنف او اجراءات ثأرية من جانب البشير".
وهذا أمر يخشاه ديبلوماسيون غربيون. ويتحدث بعضهم كذلك عن الوضع الداخلي في السودان بعد المذكرة، معتبرين ان حزب المؤتمر الوطني الحاكم سيبقى إلى جانب البشير في الوقت الحاضر على الأقل، وكذلك الجيش.
وفي ما يتعلق بدارفور، قررت "حركة العدل والمساواة"، كبرى حركات التمرد التي وقعت اتفاقا مع الخرطوم، انه لم يعد ممكناً التفاوض مع "شخص ارتكب جرائم وفقد شرعيته".
ويزيد قرار المحكمة خطورة الوضع في السودان الذي يقف على مسافة أقل من سنتين من استفتاء على تفرير المصير في الجنوب قد يؤدي إلى الاستقلال وشطر البلاد اثنين.
وهذا ما دفع مبعوث الرئيس الروسي دميتري مدفيديف الى السودان، ميخائيل مارغيلوف إلى القول إن "القرار غير الملائم يوجد سابقة خطرة في نظام العلاقات الدولية، ويمكن ان تكون له آثار سلبية على السودان".
و ص ف، أ ب، رويترز، أ ش أ، "بي بي سي"




















